في الذكرى السنوية الأولى لرحيل السفير والوزير الدكتور عبد الله بو حبيب
29 تموز 2026 في فندق Le Gabriel
أيها الحضور الكريم ..
أصحاب السعادة…
نجتمع اليوم في الذكرى السنوية الأولى لرحيل السفير والوزير الدكتور عبد الله بو حبيب، لا لنستحضر ذكرى رجلٍ شغل مناصب رفيعة فحسب، بل لنستعيد سيرة رجل دولة، وأكاديمي، ودبلوماسي، آمن بأن خدمة الوطن رسالة، وأن المسؤولية أمانة، وأن المعرفة هي الطريق الأصدق إلى صناعة المستقبل.
تميّز على الدوام بأنه صاحب رأي، يعيش وفق قناعاته، ويسعى جاهدًا إلى إثبات صحة رأيه.
لم يكن من أصحاب قلّ كلمتك وامشِ، ولم تكن السياسة عنده حديث صالونات، ومن بعدها Business as usual، بل كان دائمًا يسعى إلى جعل المحادثات طريقًا لتحقيق ما كان يؤمن به.
ولعل أفضل ما كان يمتاز به عبد الله بو حبيب، هو أنه مهما اختلف مع من حاورهم، ولو احتدم النقاش، واحتدّ وارتفع صوته. يعرف دوماً كيف يفصل الخلاف في وجهات النظر عن العلاقات الشخصية، فكان يحترم الرأي الاخر ويقبل التنوع الفكري.
تخرّج من الجامعة الأميركية في بيروت قبل أن أدخلها، غير أن بصماته فيها كانت لا تزال قوية، لاسيما في الرابطة اللبنانية التي كانت تضم الطلاب المتمسكّين بهوية لبنان واستقلاله وسيادته وحكم القانون وحصر السلاح بيد الدولة، في مواجهة المجموعات الطلّابية القومية واليسارية والفلسطينية التي كانت تضع قضايا التحرر العالمي والإقليمي والفلسطيني قبل مصلحة لبنان واللبنانيين.
وكنا كثيرًا ما نسمع أن عبد الله بو حبيب الذي كان مضى إلى الولايات المتحدة لنيل الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة Vanderbilt ، فعل كذا وقال كذا وانخرط في مواجهة مع هذا الطرف أو ذاك من القوى المؤيّدة للفلسطينيين.
التحق بالبنك الدولي في واشنطن، حيث أمضى سنوات طويلة مسؤولاً عن ملفات الشرق الأوسط واليمن وعدد من دول المنطقة، غير أننا كنا نتتّبع نشاطه السياسي غير العلني في الجالية اللبنانية وأوساط الكتائبيين المؤيّدين لبشير الجميل، لاسيما بعدما توثّقت علاقاتي مع شقيقيه المرحومَين أنطوان وعادل. كنا في قضية واحدة، مرة جديدة، في مقاومة محاولات القوات السورية لفرض سيطرتها على لبنان والتحكّم بقراره السياسي، والتأثير على نمط الحياة فيه المتميّز بالتعلّق الكبير بالحرية. وعندما انتُخب بشير الجميّل كان سيتولّى مراكز قيادية في مصرف لبنان أو مجلس الإنماء والإعمار، لو كتبت الحياة للرئيس المنتخب.
وبالنظر إلى ما راكمه من خبرة دولية، وثقة مهنية، وحضور لافت، اختاره رئيس الجمهورية الرئيس أمين الجميّل سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة الأميركية، ليمثل وطنه في عاصمة القرار العالمي، في مرحلة كانت من أدق مراحل تاريخ لبنان. حينها، اختمرت تجربته السياسية، وكنت شخصياً ألمس ذلك في كلّ مرة زرت فيها الولايات المتحدة وبخاصة لأنه كان يحرص على أن يدعوني إلى لقاءات ومناسبات ونقاشات في العمق.
وفي واشنطن، لم يكتفِ بأداء الدور الدبلوماسي التقليدي، بل أعاد تعريف معنى الدبلوماسية اللبنانية. أدرك باكراً أن قوة لبنان لا تكمن في مؤسساته الرسمية وحدها، بل أيضاً في أبنائه المنتشرين في العالم، ولا سيما في الولايات المتحدة، حيث تمتلك الجالية اللبنانية حضوراً سياسياً واقتصادياً وعلمياً مميزاً. ومن هذا الإدراك، عمل على تشجيع المؤسسات والجمعيات اللبنانية على توحيد جهودها والانخراط الفاعل في الحياة السياسية الأميركية، إيماناً منه بأن نجاح اللبناني في الاغتراب لا يكتمل إلا إذا تحوّل إلى قوة في خدمة وطنه.
وكان من أبرز إنجازاته مساهمته المحورية في تأسيس فريق العمل الأميركي من أجل لبنان (American Task Force for Lebanon)، الذي أصبح خلال سنوات قليلة الصوت اللبناني الأكثر حضوراً في الكونغرس والإدارة الأميركية، وأحد أهم نماذج الدبلوماسية الاغترابية الناجحة. فقد سبق عصره حين أدرك أن النفوذ في القرن الحادي والعشرين لا يُبنى بالسفارات وحدها، بل أيضاً بالشراكات، وبالانتشار، وبالقدرة على التأثير في مراكز القرار.
بعد سنوات من العمل الدبلوماسي، عاد إلى لبنان، مستشارًا لنائب رئيس الحكومة الأستاذ عصام فارس الذي سعى إلى أن يشكّل فريقًا مميّزًا من المستشارين، كان السفير بو حبيب من بينهم. وبعدما اعتزل دولة الرئيس فارس الحياة السياسية، تولّى السفير عبد الله بو حبيب إدارة مؤسسة عصام فارس للدراسات والأبحاث، وجعل منها منارة للفكر الرصين، ومنبراً للحوار المسؤول، وملتقىً للعقول والاختصاصيين وصنّاع القرار. شكّل مركز عصام فارس، برئاسته، لعقد من الزمن مساحة حوارية وفكرية فريدة في لبنان، إذ كان يتلاقى فيه من تباعدت بهم السبل واستشرى بينهم الخصام، وفي زمنٍ كانت فيه الانقسامات السياسية تتسع. فقد آمن بأن الكلمة الحرة تستطيع أن تبني جسوراً حيث تعجز السياسة، وأن البحث العلمي ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة وطنية تسبق القرار وتوجّه الدولة.
ثم انتُخب نائباً لرئيس الرابطة المارونية، فحمل إليها العقلية المؤسساتية نفسها التي ميّزت مسيرته. لم ينظر إلى الرابطة على أنها مؤسسة تقليدية، بل رأى فيها مساحة للعمل الوطني، فسعى إلى تحديث بنيتها، واستحدث لجاناً متخصصة، وبشكل خاص لجنة المناطق ولجنة إنماء الريف ولجنة الدراسات الاستراتيجية، وترأس لجنة الشؤون الاجتماعية التي نظّمت “العرس الجماعي” والعديد من النشاطات، ولا زلنا نلمس بوضوح بصماته التي تركها في الرابطة المارونية.
ثم جاءت المحطة الأخيرة التي توّج فيها مسيرته العامة، حين عيّنه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ثقته، وزيراً للخارجية والمغتربين في واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ لبنان الحديث. وكانت له مساهمة مهمة في التوصّل إلى اتّفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024. وكم كنا لنستفيد لو أمهلنا القدر ونعرف ملابسات هذا الاتّفاق ومراميه والظروف الحقيقية التي أوصلت إليه.
لعل ما ميّز عبد الله بو حبيب طوال مسيرته أنه لم يكن من رجال الضجيج، بل من رجال الأثر. لم يكن يسعى إلى الأضواء، بل إلى النتائج. لم يكن أسير اللحظة، بل كان ينظر دائماً إلى ما بعدها. وكان يؤمن بأن الدولة لا تُبنى بالخطب، بل بالمؤسسات؛ وأن السياسة ليست صراعاً على السلطة، بل مسؤولية أخلاقية في خدمة الإنسان والوطن.
أيها الحضور الكريم،
إننا اليوم لا نؤبّن رجلاً غاب، بل نُحيّي قِيماً عاش لها: قيمة العلم، وقيمة الحوار، وقيمة التصالح مع العصر، وقيمة الدولة.
رحم الله السفير والوزير الدكتور عبد الله بو حبيب، وجزاه عن لبنان خير الجزاء.
وسيظل اسمه حاضراً في ذاكرة الوطن، لأن الزمن قد يطوي الأعمار، لكنه لا يطوي آثار الرجال الكبار، أولئك الذين لا يُقاسون بما نالوا من مناصب، بل بما تركوه من إرث، وما غرسوه من قيم، وما ألهموه من أجيال….

