ماذا بعد زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان؟

ليست زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان حدثًا عابرًا في سجلّ المواعيد الروحية، بل هي لحظة انعطاف تاريخي وضع فيها الحبر الأعظم إصبعه على جرح الوطن، ورسم أمامنا خارطة طريق تتطلّب جرأة في التنفيذ بقدر ما حملت من رجاء في معناها.
لقد حمل البابا إلى لبنان ثلاثة رسائل أساسية:
أولًا، أن هذا الوطن ليس صدفة جغرافية بل رسالة، وأن تعدديته ليست عبئًا بل طاقة إنسانية وروحية إذا أُحسن الاستثمار فيها.
ثانيًا، أن الكنيسة، بمؤسساتها وشبابها ومواهبها، مدعوّة إلى الخروج من حالة الانتظار إلى حالة المبادرة، من الشكوى إلى البناء، من الخوف إلى المسؤولية.
ثالثًا، أن الأزمة ليست قدرًا، وأن المستقبل يصنعه الذين يؤمنون بأن الرجاء ليس كلمة بل مشروع.
اليوم، بعد انقضاء الزيارة وارتداد صداها في ضمير الوطن، يعود السؤال الذي لا يجوز الهروب منه:
ماذا بعد؟
الإجابة تبدأ من هنا:
علينا أن نحوّل كلمات البابا إلى برامج، وإشاراته إلى خطوات، ودعوته إلى نهضة حقيقية تستثمر كل الكنوز التي رأيناها خلال الزيارة: شباب نابض بالحياة، مؤسسات قادرة رغم هشاشة الدولة، كفاءات علمية وفنية وروحية تتفوّق على معادلات الانقسام والفراغ.
إن لبنان الذي شاهده البابا — لبنان الفرح، والموهبة، والضيافة، والإيمان — ليس صورة سياحية؛ إنه طاقة وطنية كامنة تحتاج إلى من يطلقها في الاتجاه الصحيح.
ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلّب:
تحويل الكنيسة إلى قوّة دفع في التربية والاقتصاد والخدمة الاجتماعية، لا مجرد شاهد على الواقع.
تمكين الشباب عبر مبادرات عمل وإبداع وهجرة معاكسة تجعل الوطن خيارًا ممكنًا لا حلًا مستحيلًا.
إحياء الثقة بين اللبنانيين عبر مشاريع مشتركة تتجاوز الطوائف نحو المواطنة الفاعلة.
استثمار المواهب في التكنولوجيا والفنون والتعليم والصحة، فهي ثروة لبنان الحقيقية في عالم يتغير بسرعة.
تجديد الحياة الروحية حتى يبقى الإيمان قوة تغيير لا طقوسًا متعبة.
لقد وضع البابا لاوون الرابع عشر أمامنا الطريق، لكن السير فيه يعود إلينا.
وإذا كانت الزيارة قد أعادت للبنان صورته الجميلة أمام العالم، فإن واجبنا الآن أن نعيد هذه الصورة إلى واقعنا اليومي، إلى مدارسنا، إلى عائلاتنا، إلى مجتمعنا.
إن ما بعد الزيارة ليس زمن التراجع، بل زمن الانطلاق.
وزمن الانطلاق يحتاج إلى قرار:
قرار بأن لبنان الذي لمس قلب البابا هو لبنان الذي يجب أن نصنعه نحن، لا لبنان الذي يفرضه العجز والانقسام.

الخوري الدكتور طوني بو عسّاف
رئيس لجنة الإعلام في الرابطة المارونية