القديسون الموارنة

القدّيسون الموارنة
نفحات إيمان ليبقى لبنان

القِدِّيسُ مارونَ أَبو الكَنِيسَةِ المارُونِيَّة (9 شباط)


وُلِدَ القِدِّيسُ مارونُ في مِنْطَقَةِ حِمْصَ في سُورِيَّا، وقَدْ كَتَبَ سِيرَةَ حَيَاتِهِ تِيُودُورِيتُسُ أُسْقُفُ قُورُشَ (393-466)، داعِيًا إِيَّاهُ مارونَ النَّاسِك، ويَدْعُوهُ تِيُودُورِيتُسُ “مارونَ الإلَهِيّ”، ويَقُول: “لَقَدْ زَيَّنَ مارونُ طُغْمَةَ القِدِّيسِينَ المُتَوَشِّحِينَ بِالله، ومارَسَ ضُرُوبَ التَقَشُّفِ والإِماتاتِ تَحْتَ جَوِّ السَمَاء، دُونَ سَقْفٍ سِوَى خَيْمَةٍ صَغِيرَةٍ لَمْ يَكُنْ يَسْتَظِلُّهَا إِلَّا نادِرًا”؛ ويُضِيفُ قائِلًا: “إِنَّ البارَّ مارونَ النَّاسِكَ كَانَ كاهِنًا مِنْ بِلادِ سُورِيَّا الثانِيَة، وكَانَ في سِيرَتِهِ راهِبًا ساكِنًا في قِمَّةِ جَبَلِ قُورُشَ مِنْ أَعْمالِ أَنْطَاكْيَة. كَانَ يُواصِلُ الجِهَادَ في خِدْمَةِ اللهِ لَيْلًا ونَهَارًا، فَمَنَحَهُ اللهُ مَوْهِبَةَ الشِفَاء، ولِهَذا كَانَ يَأْتِيهِ الكَثِيرُونَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ لِيَسْتَشْفُوا مِنْ أَمْراضِهِم، يُخرِجُ الأَرْواحَ الشِرِّيرَةَ ويَشْفِي مِنْ كُلِّ مَرَضٍ بِصَلاتِهِ، لَيْسَ أَمراضَ الجَسَدِ فَقَط، بَلْ أمراضَ النَفْسِ أيضًا”. شَهِدَ تِيُودُورِيتُسُ الأُسْقُفُ المؤرِّخُ عَلَى أَنَّ مارونَ “قَدْ غَرَسَ للهِ البُسْتانَ المُزْدَهِرَ في أَنْحاءِ المِنْطَقَةِ قاطِبَة”؛ فَتَدَفَّقَ إِلَيهِ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ الشُبَّانِ بِهَدَفِ التَرَهُّب، فَأَنْشَأَ لَهُمْ مَنَاسِكَ وصَوامِعَ عَلَى الطَرِيقَةِ الانْفِرادِيَّة، بِحَسَبِ عادَةِ تِلْكَ الأَيَّام، ثُمَّ أَنْشَأَ أديارًا وسَنَّ لَهُمْ قانُونًا، وقامَ يُرشِدُهُمْ إِلَى طَرِيقِ الكَمَال… إِلَى القِدِّيسِ مارونَ تَنْتَسِبُ كَنِيسَتُنا المارُونِيَّة، التي تَعْتَبِرُهُ أَبًا لَهَا، وتَتَمَيَّزُ ما بَيْنَ الكَنائِسِ المحلِّيَّةِ بِأَنَّهَا الوَحيدَةُ التي تَحمِلُ إسْمَ مُؤَسِّسِهَا، وبِشَفاعَتِهِ بَقِيَتْ واحِدَةً مُوَحَّدَةً.

القِدِّيسُ يُوحَنَّا مارُون البَطْرِيَرْكُ الأَوَّلُ لِلكَنيسَةِ المارونِيَّة ( 2 آذار)

وُلِدَ يُوحَنَّا في قَرْيَةِ سَرُومَ القَريبَةِ مِنْ أَنْطَاكْيَةَ سُورِيَّا. إِسْمُ أَبِيهِ أَغَاتُون وأُمِّهِ أَنُوهَامِيَا، وكِلاهُمَا مِنَ المُؤْمِنِينَ الأَتْقِيَاء. فَرَبَّيا وَلَدَهُمَا يُوحَنَّا تَرْبِيَةً مَسِيحِيَّة، وثَقَّفَاهُ في مَدارِسِ أَنْطَاكْيَة، ثُمَّ في القُسْطَنْطينِيَّة. ولَمَّا تُوُفِّيَ والِدُهُ، عادَ إلى أَنْطَاكْيَة. ومِنْهَا مَضَى إِلَى دَيْرِ مار مارونَ عَلَى ضِفافِ العاصِي، ولَبِسَ ثَوْبَ الرَهْبَانِيَّةِ ورُقّيَ إِلَى دَرَجَةِ الكَهَنُوت، وسُمِّيَ مارونُ نِسْبَةً إِلَى الدَيْرِ الّذي تَرَهَّبَ فِيه. وشَرَعَ يَتَفَانَى غَيْرَةً عَلَى خَلاصِ النُفُوسِ ويَحْمِيهَا مِنَ البِدَع. وَوَضَعَ كِتَابَهُ في العَقِيدَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ الصَحِيحَة، مُبَرْهِنًا أَنَّ في المَسِيحِ طَبِيعَتَينِ ومَشِيئَتَينِ وفِعْلَينِ كَامِلَين.

ثُمَّ إِنَّ البَابَا مَرْتِينُوسَ الأَوَّلَ (649-654) أَرْسَلَ يُوحَنَّا، أُسْقُفَ فِيلادِلْفْيَا إِلَى المَشْرِق، نِيَابَةً عَنْهُ، فَأَقَامَ يُوحَنَّا مارونَ أُسْقُفًا شَرْعِيًّا عَلَى مَدِينَةِ البَتْرُون وما يَلِيهَا سَنَةَ 676. وفي سَنَةِ 685، اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ جَبَلِ لَبْنانَ واخْتارُوا يُوحَنَّا مارونَ بَطْرِيَرْكًا عَلَى كُرْسِيِّ أَنْطَاكْيَة. وفي كِتَابِ البَطْرِيَرْكِ إِسْطِفانُوسَ الدُوَيْهِيِّ (+ 1704)، نَقْرَأُ ما يَلِي: “إِنَّ بَطَارِكَةَ طائِفَتِنَا المارُونِيَّةِ لَمْ يَسْتَقِرُّوا في مَكَانٍ واحِد، بَلْ إِنَّهُمْ مُنْذُ سَنَةِ 685 إِلَى عَهْدِنَا الحاضِر، جَعَلُوا كُرْسِيَّهُمْ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَة، مِنْ أَبْرَشِيَّاتِ البَتْرُونَ وجُبَيلَ وطَرَابْلُسَ … فَفِي سَنَةِ 685 كانَ الكُرْسِيُّ البَطْرِيَرْكيُّ في دَيْرِ القِدِّيسِ مارونَ في كْفَرْحَيّ، مِنْ أَعْمالِ البَتْرُون، وقَدْ أَقَامَ فِيهِ ثَلاثَةٌ مِنَ البَطَارِكَةِ وهُمْ: يُوحَنَّا مارون، وقُورُش، وجِبْرائِيل”. ويُعطِينَا البَطْرِيَرْكُ الدُوَيْهِيُّ سِلْسِلَةَ البَطَارِكَةِ الأَنْطَاكِيِّين، ابْتِداءً بِبُطْرُسَ الرَسُولِ وُصُولًا إِلَى يُوحَنَّا مارون، البَطْرِيَرْكِ الأَوَّلِ لِلكَنيسَةِ المارونِيَّة.

جاءَ في تَقْلِيدِ كَنِيسَتِنَا أَنَّ هَذا البَطْرِيَرْكَ ذَهَبَ إِلَى رُوما، وأَنَّ البَابَا سِرْجْيُوسَ (687-701) رَحَّبَ بِهِ وَوَشَّحَهُ بِيَدِهِ دِرْعَ الرِئَاسَةِ السَامِيَة؛ وتَوَطَّدَ الاتِّحادُ مَعَ الكَنِيسَةِ الرُومانِيَّة، واتَّخذَ الشَعْبُ المارونيُّ هَذا الاسْمَ مِنْ ذَلِكَ الحِين، ودُعُوا “مَوارِنَة”، نِسْبَةً إِلَى دَيْرِ مار مارون، وإِلَى يُوحَنَّا مارونَ الّذي جَعَلَ كُرْسِيَّهُ الأَوَّلَ في دَيْرِ سَيِّدَةِ يانُوح، بَيْنَ بَلْدَتَي قَرْطَبَا والعَاقُورَة. وراحَ يُوحَنَّا مارونُ يُجَاهِدُ أَشْرَفَ المُجَاهَداتِ في إِنْشَاءِ الكَنائِسِ وبُنْيَانِ الكَهَنَة، وتَهْذِيبِ النُفُوس، وتَنْظِيمِ الرُتَبِ البِيعِيَّة، وزِيارَةِ الرَعَايَا. وعِنْدَمَا تَفَشَّى داءُ الطَاعُونِ في البِلاد، أَخَذَ يَتَفَقَّدُ بِذَاتِهِ المَطْعُونِينَ ويَشْفِيهِمْ بِصَلاتِهِ، حَتَّى أَكْمَلَ سَعْيَهُ بِكُلِّ قَداسَة، وتُوُفِّيَ في 2 شُبَاطَ سَنَةَ 707؛ ودُفِنَ في دَيْرِ مار مارونَ الّذي في كْفَرْحَيّ، حَيْثُ كانَ مُقِيمًا. وإِلَى هَذا الدَيْرِ نُقِلَتْ هَامَةُ القِدِّيسِ مارونَ أَبي الكَنِيسَةِ المارونِيَّةِ سَنَةَ 2000 مِنْ مَدِينَةِ فُولِينْيُو الإيطاليَّة. وأَصْبَحَ الدَيْرُ عَلَى اسْمِ القِدِّيسِ يُوحَنَّا مارونَ مَقَرًّا لِلْكُرْسِيِّ الأُسْقُفيِّ عَلَى أَبْرَشِيَّةِ البَتْرُونَ المارونِيَّة.

وقَدْ جاءَ في خُطْبَةٍ لِلْمُطرانِ يُوسُفِ الدِبْس، راعي أَبْرَشِيَّةِ بَيْرُوتَ المارونِيَّة، أَلْقَاهَا في 2 آذار، يَوْمَ عِيدِ مار يُوحَنَّا مارونَ سَنَةَ 1873، ما قَدْ تَرَكَهُ البَطْرِيَرْكُ مِنْ إِرْث فِكْرِيٍّ: لاهُوتيٍّ ولِيتُورْجِيّ؛ وَهِيَ مَجْمُوعَةُ الكُتُبِ التالِيَة: 1) كِتابُ الإيمان؛ 2) كِتابٌ في الكَهَنُوت؛ 3) كِتابٌ في شَرْحِ اللِيتُورْجِيَّا؛ 4) كِتابٌ ضِدَّ النَسَاطِرَة؛ 5) كِتابٌ ضِدَّ أَصْحَابِ الطَبِيعَةِ الواحِدَة؛ 6) نافُورُ قُدَّاس؛

الّذي يُعْتَبَرُ مِنْ بَيْنِ أَقْدَمِ النَوافِيرِ في الكَنِيسَةِ المارونِيَّة، وقَدْ أُدْرِجَ ما بَيْنَ النَوافِيرِ المُسْتَعْمَلَةِ في طَبْعَةِ بْكِرْكِي سَنَةَ 2005. ونَقَلَ التَقْلِيدُ العِيدَ مِنْ 2 شُبَاط، تارِيخِ وَفاتِهِ، إلى 2 آذار، بِسَبَبِ العِيدِ السَيِّدِيّ، دُخُولِ الرَبِّ إلى الهَيْكَل. صَلاتُهُ مَعَنَا. آمين.

القِدِّيسُ يَعْقُوبَ تِلْمِيذُ القِدِّيسِ مارون (20 شباط)

كانَ هَذا البارُّ مُتَنَسِّكًا في جَبَلِ قُورُشَ القَرِيبِ مِنْ أَنْطَاكْيَة. دَوَّنَ العَلَّامَةُ المُؤَرِّخُ تِيُودُورِيتُس، أُسْقُفُ قُورُش، سِيرَةَ هَذا القِدِّيسِ في كِتابِهِ “تارِيخُ أَصْفِياءِ الله” أَوْ “مُحِبِّي الله”، قالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ هَذا الّذي كانَ قَدْ عايَشَ مارونَ الشَهِير، وتَلَقَّنَ عَنْهُ تَعالِيمَه. ويَرْوِي لَنَا الأُسْقُفُ تِيودُوريتُسُ قِصَّةَ ذَلِكَ الصَبِيِّ الصَغِيرِ المَيْتِ الّذي نالَ بِصَلاةِ القِدِّيسِ يَعْقُوبَ القِيَامَةَ مِنَ المَوْت. ” ولَقَدْ شَاهَدْتُ أَنَا بِنَفْسِي هَذا الوَلَدَ وسَمِعْتُ أَباهُ يَرْوِي الأُعْجُوبَة، ونَقَلْتُ إِلَى الكَثِيرِينَ هَذا الحادِث، وأَنَا عَلَى ثِقَةٍ أَنَّهُ سَيَكُونُ جَزِيلَ الفائِدَةِ لِمَنْ يَسْمَعُونَهُ في المُسْتَقْبَل.
القِدِّيسُ سِمْعَانُ العَمُودِيُّ الكَبِيرُ تِلْمِيذُ القِدِّيسِ مَارُون (1 أيلول)

هُوَ تِلْمِيذُ مَار مَارُون، وُلِدَ سَنَةَ 390 في قَرْيَةِ سِيْرَا عَلَى الحُدُودِ الواقِعَةِ بَيْنَ بِلادِ قُورُشَ – سُورِيَّا وكِيلِيكْيَا – تُرْكِيَّا. بَعْدَ وَفَاةِ والِدَيْهِ زَهِدَ في الدُنْيَا وتَرَكَ ثَرْوَتَهُ لإِخْوَتِهِ ولِلْفُقَراء، وبَعْدَمَا عَاشَ مُدَّةَ عَامَيْنِ مَعَ بَعْضِ النُسَّاكِ في الجِوار، أَوْحَى اللهُ إلَيْهِ بِأَنْ يُقِيمَ فَوْقَ عَمُودٍ مُعَرَّضًا لِحَرِّ الصَيْفِ وبَرْدِ الشِتَاءِ لِيُمَارِسَ فَوْقَهُ الصَلَواتِ والإِمَاتَات. وقد عَاشَ سِمْعَانُ عَلَى عَمُودِهِ ثَلاثِينَ سَنَة، ورَقَدَ هَذا المُجَاهِدُ العَظِيمُ في الأَوَّلِ مِنْ أَيْلُولَ عَامَ 459، ولَهُ مِنَ العُمْرِ 69 سَنَة. ونُقِلُ جُثْمَانُهُ الطَاهِرُ إِلَى مَدِينَةِ أَنْطَاكْيَةَ في مَوْكِبٍ حَافِل، مَشَتْ فِيهِ الجَمَاهِيرُ مَعَ الأَسَاقِفَةِ والإِكْلِيرُوسِ وكَوْكَبَةٍ مِنَ العَسَاكِرِ المَلَكِيَّة، ودُفِنَ في الكَنِيسَة.
القِدِّيسَتَان كِيرا ومارانا، تِلْمِيذَتَا القِدِّيسِ مارون (28 شباط)

كَانَتَا في مَدِينَةِ حَلَبَ مِنْ أُسْرَةٍ شَرِيفَة، زَهِدَتَا في العَالَمِ وتَتَلْمَذَتَا لِلْقِدِّيسِ مارون. إنْحَبَسَتَا في مُخْدَعٍ ضَيِّق، لَهُ كُوَّةٌ صَغِيرَةٌ تَتَنَاوَلانِ مِنْهَا قُوتَهُمَا الضَرُورِيّ، عَاكِفَتَينِ عَلَى الصَلاة، صَائِمَتَينِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إقْتِداءً بِالفَادِي الإلَهِيِّ وبِإِيلِيَّا النَبِيّ، تارِكَتَينِ كُلَّ تَنَعُّمٍ وتَرَفُّه، لأَجْلِ المَسِيح، عَائِشَتَينِ في الهَواءِ الطَلْق. زارَتَا الأَمَاكِنَ المُقَدَّسَةَ ماشِيَتَين. وبَعْدَ زِيارَتِهِمَا لِجَبَلِ الجُلْجُلَةِ والقَبْرِ المُقَدَّسِ ثُمَّ مَهْدِ بَيْتَ لَحْم، بِمُنْتَهَى الخُشُوعِ وذَرْفِ الدُمُوع، عَادَتَا إِلَى مَكَانِهِمَا في حَلَب، تُواصِلانِ جِهَادَهُمَا في طَرِيقِ النُسْكِ والقَداسَة.
القِدِّيسَةُ دُومْنِينَا، تِلْمِيذَةُ القِدِّيسِ مارون (1 آذار)

إِنَّهَا ابْنَةُ والِدَينِ مَسِيحِيَّينِ غَنِيَّينِ تَقِيَّين، قَدْ تَبِعَتْ سِيرَةَ القِدِّيسِ مارونَ العَظِيمِ وتَكَرَّسَتْ لِلَّهِ مُنْذُ صِبَاهَا، بَاذِلَةً ذاتَهَا لِلنُسْكِ والجِهَاد، إِذْ نَصَبَتْ لَهَا في بُسْتانِ والِدِهَا كُوخًا حَقِيرًا مِنْ وَرَقِ الذُّرَة، أَقَامَتْ فِيهِ مُصَلِّيَة. وكانَتْ تَذْهَبُ إِلَى الكَنِيسَةِ القَرِيبَةِ مِنْهَا، كُلَّ صَبَاحٍ عِنْدَ صِيَاحِ الدِيكِ وكَذَلِكَ آخِرَ النَهار، وتُغَطِّي وَجْهَهَا كَيْ لا يَراهَا أَحَد. أَنْفَقَتِ المالَ عَلَى الفُقَراءِ والمُعْوَزِين، وأَقْنَعَتْ أُمَّهَا وأُخْتَهَا بِأَنْ تَفْعَلَا مِثْلَهَا. رَغِبَ أَكْثَرُ مِنْ 250 امْرَأَةً في طَرِيقَةِ عَيْشِهَا، وازْدَهَرَتْ هَذِهِ الرَّهبَانِيَّةُ قُرُونًا، وعُرِفَتْ بِرَهْبَانِيَّةِ مار مارونَ النِسَائِيَّة. وبَعْدَ أَنْ جَاهَدَتِ البارَّةُ دُومْنِينَا الجِهَادَ الحَسَن، رَقَدَتْ بِالرَبِّ نَحْوَ السَنَةِ 460.
رُهْبانُ القِدِّيسِ مارُونَ القِدِّيسونَ الثَلاثِمِئَةٍ والخَمْسِون (31 تمّوز)

سَنَةَ 452، غَداةَ مَجْمَعِ خَلْقِيدُونْيَةَ المَسْكُونيِّ الرابِعِ المُنْعَقِدِ سَنَةَ 451، الذِي حَدَّدَ أَنَّ في المَسِيحِ يَسُوعَ طَبِيعَتَينِ كَامِلَتَينِ إِلَهِيَّةً وإِنْسَانِيَّة، مُتَّحِدَتَينِ غَيْرَ مُمْتَزِجَتَين، ومُمَيَّزَتَينِ غَيْرَ مُنفَصِلَتَين. يُخْبِرُنا المُؤَرِّخُ الأُسْقُفُ تِيُودُرِيتُسُ القُورُشِيّ، أَحَدُ آباءِ ذَلِكَ المَجْمَع، أَنَّ الإِمْبِرَاطُورَ مَرْقْيَانُوسَ (450-457) شَيَّدَ دَيْرًا عَظِيمًا عَلَى اسْمِ القِدِّيسِ مارُون، في مِنْطَقَةِ أَفَامْيَا، عَلَى نَهْرِ العَاصِي. بَلَغَ عَدَدُ رُهْبانِ هَذا الدَيْرِ خَمْسَ مِئَةِ راهِب.

كانَ هَؤُلاءِ الرُهْبانُ يَقْطُنُونَ أَدْيارَ سُورِيَّا الشَمَالِيَّة، وكانُوا شَدِيدِي التَمَسُّكِ بِإِيمانِ الكَنِيسَةِ وَفْقًا لِتَعْلِيمِ المَجْمَعِ المَسْكُونِيِّ الخَلْقِيدُونيّ، وفِيمَا كانَ جُمْهُورٌ كَبِيرٌ مِنْهُم مُنْطَلِقًا مِنْ دَيْرِ مار مارُونَ إِلَى دَيْرِ مار سِمْعَانَ العَمُودِيّ،  كَمَن لَهُم قوم في الطَرِيق، فَقَتَلُوا مِنْهُم ثَلاثَمِئَةٍ وخَمْسِينَ راهِبًا سَنَةَ 517. ومُنْذُ القَدِيمِ تُعَيِّدُ الكَنِيسَةُ المارُونِيَّةُ لَهُم، مُعْتَبِرَةً إِيَّاهُم أَجْدادَهَا وشُفَعَاءَهَا المُسْتَجَابِينَ لَدَى الله.

القِدِّيسَةُ مارينا راهِبَةُ قَنُّوبِين (17 تمّوز)

وُلِدَتْ هَذِهِ القِدِّيسَةُ في بَلْدَةِ القَلَمُون، في لُبْنانَ الشَماليّ، سَنَةَ 725. تُوُفِّيَتْ والِدَتُهَا في سِنِّ الصِبَا، فَزَهِدَ أَبُوهَا أُوجَانْيُوسُ في الدُنْيَا وقَصَدَ دَيْرَ قَنُّوبِينَ في الوادِي المُقَدَّسِ مَعَ ابْنَتِهِ التي أَلْبَسَهَا زِيَّ الرِجال، نُزُولًا عِنْدَ رَغْبَتِهَا، لِئَلَّا تُفَارِقَ أَبَاهَا، وتَرَهَّبَتْ مَعَهُ دُونَ أَنْ يَقِفَ الرُهْبانُ عَلَى سِرِّهَا. وعُرِفَتْ عِنْدَهُم بِاسْمِ الأَخِ مَارِينُوس. أَرْسَلَهُ الرَئِيسُ ذاتَ يَوْمٍ إِلَى البَلْدَةِ المُجَاوِرَةِ في مَهَمَّةٍ لِلدَيْر، فَاضْطُرَّ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ أَحَدِ أَصْدِقَاءِ الرُهْبانِ، وَهُوَ صَاحِبُ فُنْدُقٍ في طُورْزَا، في شَمَاليِّ لُبْنان، ولَهُ إبْنَةٌ صَبِيَّة، كانَتْ قَدْ سَقَطَتْ في زِنَى مَعَ جُنْدِيٍّ عَابِرِ سَبِيل، وبانَ حَبَلُهَا بَعْدَ حِين. فَغَضِبَ أَبُوهَا جِدًّا فَأَخْبَرَتْهُ بَأَنَّ الراهِبَ مَارِينُوسَ اغْتَصَبَهَا، لَيْلَةَ باتَ عِنْدَهُم. فَأَسْرَعَ أَبُوهَا إِلَى الدَيْرِ وشَكَا الأَمْرَ لِلرَئِيس. فَاسْتَدْعَى مَارِينُوسَ وَوَبَّخَهُ فَلَمْ يَفُهْ بِكَلِمَةٍ تُبَرِّئُهُ. فَوَقَعَ الرَئِيسُ في حَيْرَة، وعَدَّ السُكُوتَ إِقْرارًا بِالذَنْبِ وحَكَمَ عَلَى مَارِينُوسَ بِالطَرْدِ خارِجَ الدَيْر. ظَلَّ مُثَابِرًا عَلَى أَعْمالِ التَقَشُّفِ إِلَى أَنْ دَنَتْ سَاعَةُ وَفَاتِهِ. فَأَشْرَقَتْ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ بِنُورٍ سَماوِيّ، وطَلَبَ المَغْفِرَةَ مِنَ الجَمِيع، غافِرًا لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيهِ. ثُمَّ أَسْلَمَ الرُوحَ سَنَةَ 750، ولَهُ مِنَ العُمْرِ 25 سَنَة. فَأَمَرَ الرَئِيسُ بِتَجْهِيزِ جُثْمَانِهِ ودَفْنِهِ خارِجَ الدَيْر. وما أَعْظَمَ ما كانَتْ دَهْشَةُ الرُهْبانِ عِنْدَمَا رَأَوا أَنَّ مَارِينُوسَ امْرَأَةٌ! واشْتَهَرَتْ قَداسَةُ مَارِينَا في لُبْنَانَ فَأَسْرَعَ النَاسُ أَفْواجًا إِلَى دَيْرِ قَنُّوبِينَ لِلتَبَرُّكِ مِنْ جُثْمَانِهَا. وأَضْحَى ضَرِيحُهَا يَنْبُوعَ نِعَمٍ وأَشْفِيَةٍ عَدِيدَة.
القِدِّيسُ شَرْبِلَ مَخْلُوف الراهِبُ اللُبْنَانيُّ المَارُونيّ (23 تمّوز ويُعيّد له في الاحد الثالث من تمّوز)

وُلِدَ القِدِّيسُ شَرْبِل، وكانَ اسْمُهُ يُوسُف، في 8 أَيَّارَ سَنَةَ 1828، في بْقَاعْكَفْرَا مِنْ لُبْنَانَ الشَمَاليّ. غَادَرَ أَهْلَهُ وقَرْيَتَهُ سِرًّا لِئَلَّا يَصُدَّهُ أَحَدٌ عَنْ بُلُوغِ غَايَتِهِ، وتَوَجَّهَ إِلَى دَيْرِ سَيِّدَةِ مَيْفُوق، قَاصِدًا التَرَهُّبَ في الرَّهْبَانِيَّةِ اللُبْنَانِيَّةِ المَارُونِيَّة، سَنَةَ 1851، وكانَ قَدْ بَلَغَ سِنَّ الثَالِثَةِ والعِشْرِين، فَدَخَلَ في مَرْحَلَةِ الابْتِداء. وخِلالَهَا انْتَقَلَ إِلَى دَيْرِ مار مارُون – عَنَّايا، حَيْثُ أَتَمَّ مُدَّةَ الابْتِداءِ سَنَةَ 1853. رَقَّاهُ المِطْرانُ يُوسُفُ المَرِيضُ إِلَى الدَرَجَةِ الكَهَنُوتِيَّة، وذَلِكَ في دَيْرِ سَيِّدَةِ بْكِرْكِي، يَوْمَ 23 تَمُّوزَ مِنْ سَنَةِ 1859.

وعامَ 1898، في الأُسْبُوعِ السَابِقِ لِعِيدِ المِيلاد، بَدَأَ الحَبِيسُ قُدَّاسَهُ كَعَادَتِهِ. لَمَّا بَلَغَ إِلَى رَفْعَةِ الكَأْسِ والقُرْبان، وَهُوَ يَتْلُو صَلاةَ “يَا أَبَا الحَقِّ …”، أَصَابَهُ عَارِضُ فَالِجٍ قَوِيّ، ولَكِنَّهُ اسْتَمَرَّ مُتَمَسِّكًا بِالكَأْسِ والقُرْبان، بِكِلْتَا يَدَيْهِ، وبِالجَهْدِ تَمَكَّنَ رَفِيقُهُ الأَبُ مَكَارْيُوسُ مِنْ أَخْذِ الكَأْسِ والقُرْبانِ مِنْ يَدَيْهِ، ونَقْلِهِ إِلَى غُرْفَةِ الدِفْء. قَاسَى أَوْجَاعًا مُرَّة، مُدَّةَ ثَمَانِيَةِ أَيَّام، يَصْحُو ويَغِيب، وَهُوَ يُتَمْتِمُ صَلاةَ “يَا أَبَ الحَقِّ” بِالسُرْيَانِيَّةِ “آبُو دْقُوشْتُو”. أَسْلَمَ رُوحَهُ بِكُلِّ هُدُوء، مَسَاءَ عِيدِ الميلاد، في 24 كَانُونَ الأَوَّلِ سَنَةَ 1898، ولَهُ مِنَ العُمْرِ 70 عَامًا. أذِنَ البَطْرِيَرْكُ اليَاس الحْوَيِّكُ بِفَتْحِ قَبْرِهِ بِتَاريخِ 15 نَيْسَانَ سَنَةَ 1899. وُجِدَ جِسْمُهُ سَالِمًا مِنَ الفَسَاد، وجُثْمَانُهُ يَنْضَحُ عَرَقًا دَمَوِيًّا. قُدِّمَتْ دَعْوَى قَداسَتِهِ إِلَى رُوما، مَعَ القِدِّيسَةِ رَفْقَا، ومار نِعْمَة الله الحَرِدِينيّ في 4 أَيَّارَ سَنَةَ 1925، وَوُضِعَ جُثْمَانُهُ في قَبْرٍ جَدِيدٍ عَامَ 1926. وفي 25 شُبَاطَ سَنَةَ 1950، فُتِحَ القَبْرُ رَسْمِيًّا وتَمَّ الكَشْفُ الطِبِّيُّ عَلَى الجُثْمَان، فَبَانَ سَلِيمًا صَحِيحًا، كَمَا كانَ قَبْلًا، مَغْمُورًا بِدَمِهِ الراشِحِ مِنْهُ. وفي 1 آبَ سَنَةَ 1950 فُتِحَ القَبْرُ وعُرِضَ الجُثْمَانُ لِلزُوَّار. وفي 2 نَيْسَانَ سَنَةَ 1954 وَقَّعَ قَداسَةُ البَابَا بِيُّوسُ الثَاني عَشَر (1939-1958) قَبُولَ الدَعْوَى. وفي 12 أَيْلُولَ سَنَةَ 1955 فُتِحَ القَبْرُ لِلتَحْقِيق.

وفي 5 كَانُونَ الأَوَّلِ سَنَةَ 1965، رَفَعَهُ قَداسَةُ البَابَا بُولُسُ السَادِسُ (1963-1978) إِلَى مَصَافِّ الطُوبَاوِيِّين، وَشُيِّدَتْ عَلَى اسْمِهِ كَنِيسَةٌ جَدِيدَةٌ قُرْبَ الدَيْر، تَحْتَوِي عَلَى بَعْضِ رُفَاتِهِ. أَعْلَنَهُ قَداسَةُ البَابَا نَفْسُهُ قِدِّيسًا في 9 تِشْرِينَ الأَوَّلِ سَنَةَ 1977. إِنَّ الشِفَاءاتِ التي حَصَلَتْ وما زالَتْ تَحْصَلُ بِشَفَاعَةِ القِدِّيسِ شَرْبِلَ لا تُحْصَى، وأُلُوفُ الشَهَاداتِ والرَسَائِلِ المَحْفُوظَةِ في الدَيْرِ تَشْهَدُ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الذِي ارْتَضَى أَنْ يَعِيشَ في المَحْبَسَةِ مَعَ اللهِ وَحْدَهُ، أَصْبَحَ رَسُولَ الرَبِّ يَسُوعَ في العَالَمِ أَجْمَع. صَلاتُهُ مَعَنَا. آمين.

القِدِّيسَةُ رَفْقَا الرَيِّس الراهِبَةُ اللُبْنانِيَّةُ المارُونِيَّة (23 آذار)

أَبْصَرَتْ عَيْنَا رَفْقَا النُورَ في حِمْلايا، إِحْدَى قُرَى المَتْنِ الشَمَاليّ، بِالقُرْبِ مِنْ بِكْفَيَّا في جَبَلِ لُبنان، في حُزَيران، يَوْمَ عِيدِ القِدِّيسَينِ بُطْرُسَ وبُولُس، سَنَةَ 1832. إتَّشَحَتْ بِثَوْبِ الإبتِداءِ في 9 شُبَاطَ سَنَةَ 1855، وبَعْدَ فَتْرَةِ الابْتِداءِ نَذَرَتْ نُذُورَهَا الرُهْبَانِيَّةَ الأُولَى في دَيْرِ بِكْفَيَّا في 10 شُبَاطَ سَنَةَ 1856.

إخَذَتْ لَهَا إسْمَ رَفْقَا تَيَمُّنًا بِاسْمِ والِدَتِهَا. في أَحَدِ الوَرْدِيَّة، سَنَةَ 1885، دَخَلَتِ الكَنِيسَةَ وراحَتْ تُصَلِّي: “إِلَهِي لِمَاذا أَنْتَ مُتَبَاعِدٌ عَنِّي؟ لِمَاذا لا تَزُورُني بِمَرَضٍ أُظْهِرُ لَكَ بِهِ كَامِلَ مَحَبَّتي، وأُكَفِّرُ بِهِ عَنْ خَطَايايَ وخَطَايَا الآخَرِين”؟ إسْتَجَابَ الرَبُّ لَهَا لِلْحَال، وَبَدَأَتِ الأَوْجَاعُ المُؤْلِمَةُ في رَأْسِهَا، ثُمَّ امْتَدَّتْ إِلَى عَيْنَيهَا.سَنَةَ 1897، إِنْتَقَلَتْ إِلَى دَيْرِ مار يُوسُفَ الضَهْر-جْرَبْتَا، في مِنْطَقَةِ البَتْرُون. وفي سَنَةِ 1899، إِنْطَفَأَ النُورُ نِهَائِيًّا في عَيْنِهَا اليُسْرَى، لِتُضْحِيَ عَمْيَاء. سَنَةَ 1906 بَدَأَ الانْحِلالُ في جَسَدِهَا، فَتَفَكَّكَتْ عِظَامُهَا عَظْمَةً عَظْمَةً حَتَّى أَضْحَتْ مُخَلَّعَة، لا تَقْوَى عَلَى الحِراك، وخَرَجَ عَظْمُ كَتِفِهَا وانْغَرَسَ في عُنُقِهَا.

بَقِيَتْ رَفْقَا عَلَى هَذِهِ الحالِ مُدَّةَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً مُتَحَمِّلَةً أَوْجَاعَهَا، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَتْ في 23 آذارَ سَنَةَ 1914، يَومَ الاثْنَينِ مِنْ أُسْبُوعِ المُخَلَّعِ، في زَمَنِ الصَومِ الكَبير، وَدُفِنَتْ في مَقْبَرَةِ الدَيْر. شَعَّ النُورُ مِنْ قَبْرِهَا طَوالَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَالِيَة. إِفْتُتِحَ مَلَفُّ دَعْوَى تَطْوِيبِهَا بِتَارِيخِ 23 كانونَ الأَوَّلِ سَنَةَ 1925، مَعَ دَعْوَى مار شَرْبِل، ومار نِعمة الله الحردينيّ، وفي 2 أيَّار سَنَةَ 1928 حُرِّرَ مَحْضَرٌ بِسِتِّينَ أُعْجُوبَةً جَرَتْ بِشَفَاعَتِهَا؛ وفي 1 تمُّوز سَنَةَ 1968 وَقَّعَ قَداسَةُ البابا بُولُسُ السَادِسُ (1963-1978) افْتِتَاحَ الدَعْوَى. أعلَنَها قَداسَةُ البَابَا يُوحَنَّا بُولُسُ الثاني (1978-2005) مُكَرَّمَةً في 11 شُبَاطَ سَنَةَ 1982، ثُمَّ طُوبَاوِيَّةً في 17 تِشْرِينَ الثاني سَنَةَ 1985. وفي سَنَةِ 2000 لِليُوبِيلِ القُرْبانيِّ أَعْلَنَهَا البابا قُدْوَةً ومِثَالًا في عِبَادَة القُرْبانِ الأَقْدَس، ثُمَّ رَفَعَهَا قِدِّيسَةً عَلَى مَذابِحِ الكَنِيسَةِ الجامِعَةِ في 10 حُزَيْرانَ سَنَةَ 2001.

القِدِّيسُ نِعمة الله كَسَّاب الحَرْدِينيّ الراهِبُ اللُبْنَانِيُّ المَارُونِيّ (14 كانون الأوّل)

وُلِدَ يُوسُفُ جِرْجِس كَسَّاب سَنَةَ 1808 في قَرْيَةِ حَرْدِين الواقِعَةِ في قَضَاءِ البَتْرُونِ مِنْ مُحَافَظَةِ لُبنانَ الشَمَاليّ. في العِشْرينَ مِنْ عُمْرِهِ، تَرَكَ يُوسُفُ كُلَّ شَيْءٍ وتَوَجَّهَ إِلَى الدَيْرِ فَدَخَلَ الابْتِداءَ في شَهْرِ تِشْرِينَ الثَاني سَنَةَ ١٨٢٨ في دَيْرِ مار أَنْطُونْيُوسَ قِزْحَيَّا. وهُنَاكَ تَخَلَّى عَنِ اسْمِهِ القَدِيم، واتَّخَذَ لَهُ اسْمَ “نِعمة الله”، دَلالَةً عَلَى مَوْتِهِ عَنْ حَيَاةٍ قَدِيمَة، وبِدايَةً لِحَيَاةٍ جَدِيدَة.  سِيمَ كَاهِنًا بِوَضْعِ يَدِ المِطرانِ سِمعان زْوَيْن في ٢٥ كانُونَ الأَوَّلِ سَنَةَ ١٨٣٣ مَعَ ٢٢ مِنْ رِفَاقِهِ الَّذِينَ انْطَلَقُوا لِلعَمَلِ في أَدْيَارِ الرَهْبَانِيَّةِ وأَرْزاقِهَا ورَعَايَاهَا ومَدارِسِهَا.

في ٤ كانُونَ الأَوَّلِ سَنَةَ ١٨٥٨ أُصِيبَ نِعمة الله بِمَرَضِ “ذاتِ الجَنْب” (Pleurésie)، لَمْ يُمْهِلْهُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ أَيَّام، فَتُوُفِّيَ في ١٤ كانُونَ الأَوَّلِ سَنَةَ ١٨٥٨، ودُفِنَ في دَيْرِ كْفِيفَان، ثُمَّ نُقِلَ جُثْمَانُهُ السَلِيمُ سَنَةَ 1862، إِلَى حُجْرَةٍ في شَرْقِيِّ الدَيْر، نَظَرًا لإِلْحَاحِ الزُوَّارِ الكَثِيرِين. أُعْلِنَ مُكَرَّمًا في 7 أَيْلُولَ سَنَةَ 1989. حَصَلَتْ بِشَفَاعَتِهِ شِفَاءاتٌ عَدِيدَةٌ ومِنْهَا شِفَاءُ الشَابِّ أَنْدْرِه نَجْم مِنْ داءِ السَرَطانِ في الدَّمِ عامَ 1987، وَهِيَ الأُعْجُوبَةُ التي اعْتُمِدَتْ في دَعْوَى التَطْوِيب. وفي ١۰ أَيَّارَ سَنَةَ ١٩٩٨ أَعْلَنَهُ قَداسَةُ البَابَا يُوحَنَّا بُولُسُ الثاني (1978-2005) طُوبَاوِيًّا، وفي ١٦ أَيَّارَ سَنَةَ 2004 أَعْلَنَهُ قِدِّيسًا.

الطُوباوِيِّونَ المَسَابْكِيِّونَ المَوارِنةُ فْرَنْسِيسَ وعَبْدِ المُعْطِي ورَفائِيل (10 تمّوز)

هُمْ ثَلاثَةُ إِخْوَةٍ مَوارِنَة: كانَ فْرَنْسِيس، الأَكْبَرُ بَيْنَهُم، تَاجِرَ حَرِير، مَيْسُورًا، بِعُمْرِ السَبْعِينَ سَنَة، يُساعِدُهُ أَخُوهُ الأَصْغَرُ رَفَائيل؛ وكانَ عَبْدُ المُعْطِي مُعَلِّمًا في مَدْرَسَةِ الآباءِ الفْرَنْسِيسِيِّينَ الرَعَوِيَّة، ومِمَّا كانَ يَقُولُهُ لِتَلاميذِهِ: “قُولُوا مَعِي يا أَوْلادِي: إِمْنَحْنَا يا رَبُّ النِعْمَةَ لِنَمُوتَ مِنْ أَجْلِكَ. إِنَّ عَذابَ الاسْتِشْهَادِ قَصِيرُ الأَجَل، وأَمَّا النَعيمُ فَإِنَّهُ أَبَدِيّ”. كانَ فْرَنْسِيسُ وعَبْدُ المُعْطِي مُتَزَوِّجَينِ ورُزِقا أَوْلادًا، بَيْنَمَا رَفائيلُ كانَ أَعْزَب. لَدَى صُدُورِ قَرارٍ مِنْ والي الشامِ بِإِبادَةِ المَسِيحِيِّينَ في دِمَشْق. نَالُوا إِكْلِيلَ الشَهَادَة، وجَادُوا بِحَياتِهِم لأَجْلِ إِيمانِهِم بِالمَسِيح، في دِمَشْق، في اليَوْمِ العَاشِرِ مِنْ شَهْرِ تَمُّوزَ سَنَةَ 1860.

أَعْلَنَ السَعِيدُ الذِكْرِ البَابَا بِيُّوسُ الحادِي عَشَر (1922-1939) تَطْوِيبَ الإِخْوَةِ الثَلاثَةِ. وتُعَيِّدُ لَهُمُ الكَنِيسَةُ المارونِيَّةُ في العَاشِرِ مِنْ شَهْرِ تَمُّوز، وَهُوَ ذِكْرَى يَوْمِ اسْتِشْهَادِهِم. صَلاتُهُم مَعَنَا. آمين

الطُوبَاوِيُّ إِسْطِفان نِعْمِه الراهِبُ اللُبْنانِيُّ المَارُونِيّ (30 آب)

هُوَ يُوسُفُ بْنُ إِسْطْفَان نِعْمِه، وكْرِيسْتِينَا بَدْوِي حَنَّا خالِد مِنْ قَرْيَةِ لِحْفِد في جُرُودِ بِلادِ جُبَيْل. وُلِدَ يُوسُفُ في 8 آذارَ سَنَةَ 1889. في سَنَةِ 1905، إِنْسَحَبَ خُفْيَةً عَنْ أَهْلِهِ، وَقَصَدَ دَيْرَ مار قِبْرِيَانُوسَ ويُوسْتِينَا – كْفِيفَان، قَضاءَ البَتْرون، لِلتَّرَهُّب. لَبِسَ ثَوْبَ الابْتِداء، واتَّخَذَ لَهُ إسْمَ إِسْطِفَان، تَيَمُّنًا بِاسْمِ والِدِهِ وشَفِيعِ قَرْيَتِهِ لِحْفِد. نَذَرَ نُذُورَهُ الرُّهْبَانِيَّةَ في 23 آبَ سَنَةَ 1907، وكانَ لَهُ مِنَ العُمْرِ 18 سَنَة.

رَقَدَ عَلَى رَجَاءِ القِيَامَةِ بِالمَسِيح، بِرائِحَةِ القَداسَةِ في 30 آبَ سَنَةَ 1938، عَنْ عُمْرٍ نَاهَزَ التِسْعَ والأَرْبَعِينَ سَنَة. ذاعَتْ شُهْرَةُ قَداسَتِهِ مُنْذُ وَفَاتِهِ، فَتَقَاطَرَ المُؤْمِنُونَ إِلَى ضَرِيحِهِ يَلْتَمِسُونَ شَفَاعَتَهُ، وقَدْ أَجْرَى اللهُ عَلَى يَدِهِ مُعْجِزاتٍ كَثِيرَة. وبِنَاءً عَلَى التِمَاسِ العَدِيدِ مِنَ الرُهْبانِ والمُؤْمِنِينَ اتَّخَذَ مَجْمَعُ الرِئَاسَةِ العَامَّةِ في الرَّهْبَانِيَّةِ قَرارًا بِرَفْعِ طَلَبِ فَتْحِ دَعْوَى إِعْلانِ قَداسَتِهِ، في 30 آبَ سَنَةَ 2001. قُدِّمَ مَلَفُّ الدَعْوَى إِلَى مَجْمَعِ دَعَاوَى القِدِّيسِينَ في 27 تِشْرِينَ الثَاني سَنَةَ 2001. وفي 2 آذارَ سَنَةَ 2007 أَعْلَنَ قَداسَةُ البَابَا بِنِدِيكْتُوسُ السَادِسُ عَشَرُ بُطُولَةَ فَضَائِلِهِ، وفي 17 كانُونَ الأَوَّلِ سَنَةَ 2007، أَعْلَنَهُ مُكَرَّمًا. وَوَقَّعَ قَداسَتُهُ بَراءَةَ إِعْلانِهِ طُوبَاوِيًّا.

القِدِّيسِانَ تِيرانْيُونَ الصُّورِيّ، وزِنُوبْيُوسَ الصَّيدانِيِّ وآخَرون (20 شُبَاط)

في سَنَةِ 304، أَصْدَرَ الإِمْبِرَاطُورُ دْيُوكْلِتْيَانُوسُ (285-305) مَرْسُومًا يَقْضِي بِتَأْيِيدِ الوَثَنِيَّة، فَكانَ الدافِعَ المُبَاشَرَ إِلَى اضْطِهَادِ المَسِيحِيِّين، في أَيَّامِه. وفي زَمَنِ وِلايَةِ فَنْتُورْيُوسَ عَلَى صُور، سَقَطَ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ الشُهَداء، أَوْرَدَ أُوسَابْيُوسُ القَيْصَرِيُّ خَبَرَهُمْ في تارِيخِه. وكتب: “ظَلَّتِ الوُحُوشُ الضَارِيَةُ وَقْتًا طَوِيلًا لا تَجْسُرُ عَلَى مُلامَسَةِ أَجْسَادِ أَعِزَّاءِ اللهِ هَؤُلاءِ أَوِ الدُنُوِّ مِنْهَا. كانَ الأَبْطالُ المُبَارَكُونَ واقِفِينَ وَحْدَهُمْ عُراةً يُلَوِّحُونَ بِأَيْدِيهِمْ إِلَيهَا لِيَحْمِلُوهَا عَلَى الاقْتِرابِ مِنْهُمْ، لَكِنَّهَا كُلَّمَا هَجَمَتْ عَلَيْهِم كانَتْ تَتَراجَعُ وكَأَنَّ قُوَّةً إِلَهِيَّةً تَصُدُّهَا”.

أَخِيرًا قُتِل الشُهَداءُ جَمِيعُهُمْ بِالسَّيف. وبَدَلًا مِنْ دَفْنِهِمْ في الأَرْض، طُرِحُوا في أَعْمَاقِ البَحْر. أمَّا تِيرانْيُونُ أُسْقُفُ كَنِيسَةِ صُور، وزِنُوبْيُوسُ كَاهِنُ كَنِيسَةِ صَيْدَا، فَأُرسِلَا في القُيُودِ إِلَى أَنْطَاكْيَة، حَيْثُ مَجَّدَا كَلِمَةَ اللهِ بِصَبْرِهِمَا حَتَّى المَوْت. أُلقِيَ الأُسْقُفُ في أَعْمَاقِ البَحْر، وماتَ زِنُوبْيُوسُ بِتَعْذِيبٍ شَدِيدٍ لَقِيَهُ عَلَى جَنْبَيه، وكانَ ذَلِكَ سَنَةَ 310.

القِدِّيسُ تَلَالَاوُسَ اللُبْنَانِيّ (20 أيّار)

وُلِدَ تَلالاوُسُ في عَائِلَةٍ مَسِيحِيَّةٍ في جَبَلِ لُبْنَان. تَعَلَّمَ الطِبَّ وأَخَذَ يَتَعَاطَاهُ بِدُوْنِ مُقَابِل، فَكَانَ لَهُ وَسِيلَةً لِشِفَاءِ النَفْسِ والجَسَدِ مَعًا. لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَسِيحِيٍّ وَوَثَنِيّ. دَعَا النَاسَ إِلَى الإِيمانِ بِالمَسِيح، ثُمَّ راحَ يَجُوبُ المُدُنَ والقُرَى، يُذِيعُ بُشْرَى المَلَكُوت، وَهُوَ مَا دُوْنَ العِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ، في زَمَنِ الإِمْبِرَاطُورِ مَرْقُسَ أَوْرِيلْيُوسَ نُومِيرْيَانُوس (282-284). أوْقَفَهُ العَسْكَرُ سَنَةَ 284، وسَاقُوهُ إِلَى أَمَامِ تِيُودُورُسَ الوالي. سَأَلَهُ الوالي إِذا كَانَ مَسِيحِيًّا، فَأَجَابَ بِكُلِّ جُرْأَةٍ، ولَمْ يُنْكِرْ. سَلَّمَهُ إِلُى الجَلْد، فَصَمَدَ تَحْتَ وَقْعِ السِيَاط. إِتَّقَدَ في قَلْبِهِ حُبُّهُ لِلْمَسِيحِ فَرَفَعَهُ فَوْقَ آلامِ الجَسَد. عَانَى الأَظَافِرَ الحَدِيدِيَّةَ وأَلْسِنَةَ اللَهَبِ فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيْهِ. تَنَاثَرَ جَسَدُهُ وتَكَسَّرَتْ عِظَامُهُ وَهُوَ صَابِرٌ لا يَتَذَمَّر، وكَأَنَّهُ لا يَشْعُرُ بِأَلَم. فَلَمَّا شَاهَدَ اثْنَانِ مِنَ الجَلَّادِينَ صَبْرَهُ هَذا آمَنَا، وجَاهَرَا بِإِيمانِهِمَا. لِلْحَالِ أَمَرَ الوالي بِقَطْعِ رَأْسَيْهِمَا فَتَكَلَّلا بِالشَهَادَة. تَهَلَّلَ تَلالاوُسُ فَرَحًا وعَزاءً، وشَكَرَ اللهَ عَلَى نِعْمَتِهِ هَذِهِ وكَرَّرَ اعْتِرافَهُ جَهْرًا بِالمَسِيحِ الإِلَه. تَمَيَّزَ الوالي غَيْظًا وأَمَرَ بِقَطْعِ رَأْسِهِ، فَانْضَمَّ إِلَى الشُهَداءِ القِدِّيسِينَ سَنَةَ 284.

القِدِّيسَةُ تِيُودُوسْيَا اللُّبْنَانِيَّة (29 أيّار)

وُلِدَتْ تِيُودُوسْيَا في مَدِينَةِ صُورَ اللُبْنَانِيَّة. تَرَبَّتْ عَلَى خَوْفِ اللهِ وتَقْوَاه. ومُنْذُ حَداثَتِهَا كَانَتْ تُلازِمُ الصَلَواتِ والتَأَمُّلات، مُعْرِضَةً عَنْ مَلَذَّاتِ العَالَمِ وأَبَاطِيلِهِ. وفي أَثْنَاءِ الاضْطِهَادِ الذِي أَثَارَهُ دْيُوكْلِتْيَانُوسُ (285-305) ومَكْسِيمْيَانُوسُ (285-310) عَلَى المَسِيحِيِّين، ذَهَبَتْ تِيُودُوسْيَا، وَهِيَ إِبْنَةُ ثَماني عَشْرَةَ سَنَة، إِلَى قَيْصَرِيَّةِ فَلِسْطِين، لِتُشَارِكَ في الاحْتِفَالِ بِعِيْدِ الفِصْحِ في 2 نَيْسَانَ سَنَةَ 307. هُنَاكَ كَانَ أُورْبَانُوسُ الوالي قَدْ قَبَضَ عَلَى كَثِيرِينَ مِنَ المُعْتَرِفِينَ بِالمَسِيح. فَنَظَرَتْ تِيُودُوسْيَا بِعَيْنٍ دامِعَةٍ إِلَى أُولَئِكَ المُضْطَهَدِينَ المَسْجُونِين، الَّذِينَ كَانُوا يَشْهَدُونَ لِمَلَكُوتِ المَسِيح. وانْدَفَعَتْ بِكُلِّ شَجَاعَة، وتَقَدَّمَتْ إِلَيْهِمْ تُحَيِّيهِمْ بِالسَلامِ وتُشَجِّعُهُم، وتَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ يُصَلُّوا مِنْ أَجْلِهَا، ويَذْكُرُوهَا أَمَامَ الرَبّ. فَعَرَفَ الوالي أَنَّهَا مَسِيحِيَّة، فَأَحْضَرَهَا غَاضِبًا وأَخَذَ يَتَهَدَّدُهَا بِالتَعْذِيبِ إِنْ لَمْ تُضَحِّ لِلأَوْثَان. أَمَرَ أُورْبَانُوسُ بِأَنْ يُعَلَّقَ في عُنُقِهَا حَجَرٌ ضَخْمٌ وتُغَرَّقَ في لُجَّةِ البَحْر. فَتَكَلَّلَتْ بِغَارِ الشَهَادَةِ سَنَةَ 307. تُكَرِّمُهَا الكَنِيسَةُ في الشَرْقِ والغَرْب.

القِدِّيسُ دُرُوتَاوُسَ أُسْقُف صُور (6 حزيران)

كَانَ أُسْقُفًاً عَلَى صُور في لُبْنَان، في عَهْدِ دْيُوكْلِتْيَانُوس (285-305)، الإِمْبِرَاطُورِ البِيزَنْطِيّ، ولِيشِينْيُوس (308-324)، الإِمْبِرَاطُورِ الرُومانيّ. ومِنْ أَجْلِ إِيمانِهِ تَحَمَّلَ عذابات مُتَنَوِّعَةً ونُفِيَ عَنْ كُرْسِيِّهِ إِلَى مَدِينَةِ أُودِيسُوبُولِيس في تْرَاقْيَا (فَارْنَا الرُومانِيَّة). كَانَ مُتَضَلِّعًا في اللُغَتَينِ اليُونانِيَّةِ واللَاتِينِيَّة، ذَكِيَّ الفُؤاد. وقَدْ تَرَكَ تَآلِيفَ نَفِيسَة، ومُصَنَّفاتٍ بَدِيعَة، تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ عُلُومِهِ وسَعَةِ مَدارِكِهِ. وحَضَرَ المَجْمَعَ النِيقَاوِيَّ سَنَةَ 325. إِسْتُشْهِدَ أَيَّامَ يُولْيَانُوسَ الجَاحِد (360-363) عَامَ 362، ولَهُ مِنَ العُمْرِ 107 سِنِين.

القِدِّيسَةُالشَّهِيدَةُ أَكْوِيلِينَا الجُبَيْلِيَّة (13 حزيران)

هيَ إِبْنَةُ أَحَدِ أَعْيَانِ جُبَيْلَ الفِينِيقِيَّة . وُلِدَتْ أَكْوِيلِينَا في مَدِينَةِ جُبَيْلَ سَنَةَ 281. إِضْطَرَمَ قَلْبُهَا بِمَحَبَّةِ الطِفْلِ الإِلَهِيّ، وَهِيَ ابْنَةُ اثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَة. فَأَخَذَتْ تَسْعَى في نَشْرِ عِبَادَتِهِ بَيْنَ مُواطِنِيهَا فَآمَنَ مِنْهُمْ عَدَدٌ وافِر. وكَانَ ذَلِكَ في زَمَانِ الإِمْبِرَاطُورِ دْيُوكْلِتْيَانُوس (285-305)، الذِي أَثَارَ الاضْطِهَادَ عَلَى المَسِيحِيِّين. إسْتَحْضَرَهَا وسَأَلَهَا عَنْ إِيمَانِهَا، فَأَجَابَتْ أَنَّهَا مَسِيحِيَّة، وَهِيَ تُؤْمِنُ بِالمَسِيحِ مُخَلِّصًا. فَحَنِقَ الحَاكِمُ وأَخَذَ يَتَهَدَّدُهَا لِيَحْمِلَهَا عَلَى الكُفْرِ بِالمَسِيحِ فَلَمْ تَأْبَهْ لَهُ. فَأَمَرَ الجُنْدَ فَصَفَعُوهَا عَلَى وَجْهِهَا، ثُمَّ جَلَدُوهَا بِالسِيَاطِ جَلْدًا قَاسِيًا حَتَّى سَالَتْ دِمَاؤُهَا. فَسَأَلُوهَا وَهِيَ في بَحْرٍ مِنَ الدَمّ، أَنْ تَكْفُرَ بِالمَسِيح، فَتَحْيَا. فَلَمْ تُجِبْ بِغَيْرِ دِمَائِهَا المَسْفُوكَةِ مِنْ أَجْلِ المَسِيح. فَأَمَرَ بِطَرْحِهَا في السِّجْن. وفي صَبَاحِ اليَوْمِ التَالي أَمَرَ بِقَطْعِ رَأْسِهَا. دَخَلَ إِلَيْهَا السَيَّافُ فَوَجَدَهَا قَدْ مَاتَتْ. وهَكَذَا نَالَتْ إِكْلِيلَ الشَهَادَةِ سَنَةَ 293. وقَدْ أَجْرَى اللهُ عَلَى قَبْرِهَا مُعْجِزاتٍ كَثِيرَة. ثُمَّ نُقِلَتْ ذَخَائِرُهَا المُقَدَّسَةُ إِلَى القُسْطَنْطينِيَّة، حَيْثُ أُحِيطَتْ بِإِكْرامٍ جَزِيل. وعَلَى اسْمِهَا شُيِّدَ مَعْبَدٌ في مَدِينَةِ جُبَيْلَ اللُبْنَانِيَّة.

القِدِّيسُ لاوَنْتِيُوسَ الطْرابُلْسِيُّ ورَفيقَاه (18 حزيران)

ولِدَ لاوَنْتِيُوسُ في بِلادِ اليُونانِ في القَرْنِ الأَوَّل. عاشَ في مَدِينَةِ طْرابْلُسَ لُبْنَانَ جُنْدِيًّا مُزْدانًا بِالفَضَائِلِ المَسِيحِيَّة. أَرْسَلَ الوالي كَتِيبَةً مِنَ الجُنُودِ لتقَبَضُ عَلَيه الثَلاثَة، وطَرَحُوهُ في السِّجْن. وفي الغَدِ اسْتَدْعَى لاوَنْتِيُوسَ ولاطَفَهُ وتَهَدَّدَهُ لِيَكْفُرَ بِإِيمانِهِ، لَكِنْ عَلَى غَيْرِ طائِل. فَضَرَبُوهُ بِشِدَّةٍ ثُمَّ عَلَّقُوهُ وجَرَّدُوا جَسَدَهُ بِأَظْفَارٍ مِنْ حَدِيدٍ وَهُوَ صَابِرٌ يَشْكُرُ الله. وشَدُّوا أَطرافَهُ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَوْتَاد، وجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، حَتَّى فَاضَتْ رُوحُهُ الطاهِرَة. دُفِنَ في طْرابْلُس. وكانَتْ شَهَادَتُهُ نَحْوَ سَنَةِ 70. وشُيِّدَتْ في ما بَعْدُ في مِيناءِ طْرابْلُسَ كَنِيسَةٌ بَدِيعَةٌ إِكْرامًا لَهُ.

الطُوباوِيِّ يَعْقوبَ الكَبُّوشِيّ (26 حزيران)

وُلِدَ خَلِيلُ بْنُ بُطْرُسَ صَالِح حَدَّاد وَشَمْس يُواكِيم حَدَّاد، في بَلْدَةِ غَزِير، قَضَاءِ كِسْروان، في 1 شُبَاطَ 1875.   سِيمَ كاهِنًا في 1 تشرين الثاني 1901.

مُنْذُ دُخُولِهِ الرَّهْبَنَة، كانَتْ تُراوِدُهُ فِكْرَةُ رَفْعِ صَلِيبٍ عَلَى إِحدى قِمَمِ لُبنان. فَبَدأَ بِمَشْرُوعِ صَلِيبِ جَلِّ الدِّيب 1921، وأَلْحَقَهُ بِمُؤَسَّسَةِ سَيِّدَةِ البَحْر. إِسْتَقْبَلَ فِيها سَنَة 1926 أَوَّلَ كاهنٍ عاجِز، سَلَّمَ العِنايَةَ بِهِ إِلى فَتَياتٍ كُنَّ نَواةً لِجَمْعِيَّةِ راهِباتِ الصَّلِيب. إِعْتَرَفَتْ بِها السُّلُطاتُ الكَنَسِيَّةُ في 8 كانون الأوَّل سنة 1930. نَصَبَ عَلَى تَلَّةِ دَيْرِ القَمَر صَلِيبًا جَبَّارًا، يُبارِكُ المِنْطَقَةَ وَلُبْنانَ كُلَّه. ووَسَّعَ نَشاطَهُ لِخِدْمَةِ الفُقَراءِ والأَكْثَرِ حِرْمانًا. وَزَرَعَ في مُختَلَفِ المَناطِقِ مُؤَسَّساتٍ خَيرِيَّة، مِنْ مدارِسَ لِلفُقَراء، ومَياتِمَ ومُسْتَشْفَيات، وغَيرِها مِن أَعْمالِ الرَّحْمَة، رافِضًا أَيَّ تَمْيِيز، مُتَّخِذًا شِعارًا لَهُ ولِبَناتِهِ راهباتِ الصَّلِيب: “تَشَبَّهُوا بِاليَنبُوع؛ لا يَسأَلُ العَطْشانَ قَبْلَ أَنْ يَسْقِيَهُ: مِنْ أَيِّ دِينٍ أَو بَلَدٍ أَنْت”. كانَ آخِرُ إِنجازاتِهِ بِناءَ مَعْبَدِ المَسيحِ الْمَلِك. لَوى تَحتَ وَطْأَةِ سَرَطانِ الدَّم، فَرَحَلَ إِلى جِوارِ رَبِّهِ يَومَ السَّبْتِ 26 حُزَيْرانَ 1956. تَمَّتْ مَراحِلُ تَطْوِيبِهِ بِنَجاح. فَأَعْلَنَتْهُ الكَنيسةُ طُوباويًّا ضِمْنَ احْتِفالٍ جَرَى في بَيْرُوت، عاصِمَةِ لُبنان، وأُحْصِيَ بَيْنَ الطُّوباوِيِّينَ بِتَارِيخِ 22 حُزَيْرانَ 2008.

القِدِّيسَةُ كْرِيسْتِينَا (24 تمّوز)

وُلِدَتْ كْرِيسْتِينَا في مَدِينَةِ صُورَ الفِينِيقِيَّةِ – اللُبْنَانِيَّةِ في أَواخِرِ القَرْنِ الثَالِثِ في عَائِلَةٍ وَثَنِيَّة. كانَ أَبُوهَا أُورْبَانُوسُ حَاكِمُ المَدِينَةِ شَدِيدَ التَعَصُّبِ لِوَثَنِيَّتِهِ، يَضْطَهِدُ المَسِيحِيِّينَ ويُنَكِّلُ بِهِمْ. فَلَمَّا رَأَتِ ابْنَتُهُ ما يَتَحَمَّلُهُ المَسِيحِيُّونَ مِنَ العَذاباتِ المُرَّة، وهُمْ ثَابِتُونَ في إِيمانِهِم، تَأَثَّرَتْ جِدًّا ومَسَّتْهَا النِعْمَةُ الإِلَهِيَّة، فَنَبَذَتْ عِبَادَةَ الأَصْنَام، وآمَنَتْ بِالمَسِيحِ وشُغِفَتْ بِمَحَبَّتِهِ وتَعَالِيمِهِ، واعْتَمَدَتْ، خُفْيَةً عَنْ أَبِيهَا، وكانَ لَهَا مِنَ العُمْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَة. وكانَ أَبُوها يَخْشَى عَلَيْهَا مِنْ مُخَالَطَةِ النَاس، فَجَعَلَهَا في حِصْن، وَوَفَّرَ لَهَا أَسْبَابَ الراحَة، وَوَضَعَ لَدَيْهَا أَصْنَامًا مِنْ فِضَّةٍ وذَهَب، لِكَيْ تَتَعَبَّدَ لَهَا. أَمَّا هِيَ فَحَطَّمَتْ تِلْكَ التَمَاثِيلَ حُبًّا لِلمَسِيح. فَغَضِبَ أَبُوها وَوَبَّخَهَا، فَأَجَابَتْ بِكُلِّ سَذاجَة: “إِنَّ الأَصْنَامَ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ ولا فائِدَةَ مِنْهَا”. فَتَهَدَّدَهَا بِالعَذابِ والمَوْت، إِنْ لَمْ تَرْجِعْ عَنْ إِيمانِهَا وتَكْفُرْ بِالمَسِيح، فَقَالَتْ بِكُلِّ شَجَاعَة: “أَنْتَ قَادِر، يا أَبي، أَنْ تُعَذِّبَنِي وتُعْدِمَنِي الحَيَاة، لَكِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَفْصِلَني عَنْ إِيماني بِيَسُوعَ المَسِيحِ وعَنْ مَحَبَّتي لَهُ”. حِينَئِذٍ أَمَرَ بِهَا فَضَرَبُوها بِالسِيَاط، ومَزَّقُوا جَسَدَها بِمَخَالِبَ مِنْ حَدِيد، حَتَّى سَالَتْ دِمَاؤُها، وأَلْقَاها في السِجْن. عَلَّقُوها عَلَى خَشَبَة، ورَمَوْهَا بِالسِهَام، فَنَالَتْ إِكْلِيلَ الشَهَادَةِ سَنَةَ 300 لِلْمَسِيح.

القِدِّيسَةُ بَرْبارَة البَعَلبَكِيَّةُ (4 كانون الأوّل)

عاشَت في أَواسِطِ القَرْنِ الثَالِثِ في مَدِينَةِ هِلْيُوبُولِيس، المَعْرُوفَةِ اليَومَ بِاسْمِ بَعَلْبَك، في لُبنان، في زَمانِ الإِمْبِرَاطُورِ مَكْسِيمْيَانُوس (285-310). وكانَ أَبُوهَا دْيُوسِيقُورُسُ غَنِيًّا وَثَنِيًّا مُتَعَصِّبًا. فَأَحْسَنَ تَرْبِيَتَهَا وَزَوَّدَها بِالعُلُومِ والآداب. وبِمَا أَنَّهَا كانَتْ رائِعَةَ الجَمالِ وَضَعَهَا في بُرْجٍ حَصِين، وأَقَامَ مِنْ حَوْلِهَا الأَصْنَامَ لِتَظَلَّ مُتَعَبِّدَةً لِلآلِهَة. أَمَرَتْ خُدَّامَهَا، وبَيْنَهُم مَسِيحِيُّون، بِتَحْطِيمِ ما حَوْلَهَا مِنَ الأَصْنَام. إقْتَادَهَا والدها إِلَى أَمامِ الوالي الرُومانيِّ مَرْقْيَانُوسَ مُكَبَّلَةً بِالسَلاسِل. فَاسْتَشَاطَ الوالي غَيْظًا مِنْ ثَبَاتِهَا في الإِيمانِ بِالمَسِيح، وأَمَرَ بِجَلْدِهَا بِأَعْصَابِ البَقَر، فَتَمَزَّقَ جَسَدُهَا وتَفَجَّرَتْ دِمَاؤُهَا، وَهِيَ صَابِرَةٌ صَامِتَة، رافِضَةٌ أَنْ تَتَنَكَّرَ لإِيمانِهَا.

أمر الحَاكِمُ بِجَلْدِهَا ثَانِيَةً حَتَّى تَنَاثَرَتْ لُحْمَانُهَا. ثُمَّ أَمَرَ والِدَهَا بِأَنْ يَقْطَعَ رَأْسَ ابْنَتِهِ، فَتَمَّتْ شَهَادَتُهَا في بِدايَةِ القَرْنِ الرابِع. إِنَّ تَكْرِيمَ القِدِّيسَةِ بَرْبارَةَ شَعْبِيٌّ جِدًّا، وانْتَشَرَ شَرْقًا وغَرْبًا.