8-7-2014

annahar

إميل خوري

حذّرت الرابطة المارونية في مؤتمر عقدته تحت عنوان: “أرضي هويتي” من بيع الاراضي من الغير في ضوء الواقع الديموغرافي وهي مشكورة على خطوتها هذه، لكن الحاجة ماسة إلى تحذير من يبيع لبنان نفسه للغير تحت عنوان “المصلحية والانتهازية والوصولية”…
إن الأرض تبقى مهمة للانسان طالما هو يعطيها وهي تعطيه. لقد حافظ عليها في الماضي لأن شجرة التوت كانت تعطيه موسم الحرير وتجعله يعيش بكرامة، ثم أعطته زراعة التبغ موسماً بديلاً يعيش منه بكرامة أيضاً، وعندما كسدت الزراعة على اختلاف أنواعها حوَّل الانسان الارض سلعة تشترى وتباع وتجنى منها الأرباح إلى أن أصبحت هذه التجارة تشكل خطراً وجودياً وكيانياً، إذ لا أرض بلا انسان ولا انسان بلا أرض، كما لا وطن بلا شعب ولا شعب بلا وطن، ولا وطن بلا دولة ولا دولة بلا وطن.
لقد بلغ الانسان في لبنان هذا الحد من اللامسؤولية بحيث لم تعد الارض إرثاً يحافظ عليه لأنه فقد حريته وكرامته وعيشه الكريم، وهو يشعر بأن لا دولة تحميه وتحافظ على حقوقه، وأن القانون لا يطبق على الجميع وبدون تمييز وكأن الشعب فيه أبناء ست وأبناء جارية، فصارت الهجرة هي السبيل الوحيد للتخلص من وضع كهذا جعل الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطناً.
في زمن المتصرفية ساد الأمن الثابت لبنان الصغير بحيث قيل “هنيئاً لمن له مرقد عنزة في لبنان”. لكن الأمن وحده لا يطعم جائعاً فكانت أول هجرة للبنانيين في ذاك الزمن. وعندما صار لبنان كبيراً خضع لحكم الانتداب الفرنسي ثم لحكم الاستقلال وبعده لحكم الوصاية السورية بعد حرب داخلية طويلة هجرت الكثير من ابنائه. وهذا الحكم غلَّب في لبنان فريقاً على آخر، وجعل فئة تشعر بالغبن والإحباط والتهميش، وفئة تشعر بالعز والفخار. وعندما انتهى حكم الوصاية السورية، أمل اللبناني في أن ينجح قادته في أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم وأن يهتم الحكم بأولويات الناس. لكن انقسامهم بين من يريد قيام دولة قوية ولا دولة سواها، دولة سيدة حرة مستقلة ولا قانون غير قانونها ولا سلاح غير سلاحها، ومن يريد دولة ضمن الدولة تحت عنوان “مقاومة اسرائيل” أشعل صراعاً بين هؤلاء القادة فانقسموا بين تكتلين كبيرين: تكتل قوى 8 آذار وتكتل قوى 14 آذار ولا يزال إلى اليوم، ما حال دون قيام الدولة القويّة لا بل دون جعل نتائج الانتخابات النيابية تحسم الصراع على السلطة بحيث تحكم الأكثرية والأقلية تعارض، ولا أمكن تشكيل حكومات إلاّ بعد أزمات تطول ولا خروج منها إلاّ بتدخل خارج مؤثّر، ولا انتخاب رئيس للجمهورية إلاّ بعد أحداث أمنية وتدخّل خارجي يفرض انتخاب هذا الرئيس. وها إن لبنان اليوم بدون رئيس إلى أجل غير معروف لأن لا الداخل يستطيع حسم الخلاف حول انتخاب رئيس والخارج مشغول عن لبنان بما هو أهم، ولا أحد يعرف متى يستطيع إخراجه من انقسامه السياسي والمذهبي الحاد.
فكيف للبناني إذاً، وفي مثل هذا الوضع الشاذ، أن يفكر في البقاء وهو غير مطمئن لا إلى حاضره ولا إلى مستقبله؟ وكيف له ألاَّ يفكر في بيع كل ما يملكه في وطنه ويهاجر إن لم يكن من أجله فمن اجل أبنائه وأحفاده؟ وكيف للبناني ألا يفكر في بيع أرضه عندما يرى بين قادته من يبيع الوطن من الغير ويرفع على أرضه علماً غير علمه…؟
الواقع أن جوهر المشكلة ليس في بيع الأرض بل في بيع الوطن خدمة لمصلحة خاصة أو خدمة لخارج لأن روح المواطنية مفقودة لدى الكثيرين ولا يخجلون حتى من القول إنهم ينتظرون كلمة هذه الدولة أو تلك لينتخبوا رئيساً أو ليشكلوا حكومة… وماذا ينفع الانسان إن هو حافظ على أرضه وخسر نفسه وكرامته وحريته في وطن لا دولة فيه ولا حرية ولا كرامة ولا عيشاً كريماً؟
لذلك مطلوب لبقاء الأرض والوطن إقامة الدولة القويّة القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها، فلا يكون قانون غير قانونها ولا سلاح غير سلاحها. دولة تستطيع أن تحافظ على الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، وعندها لا يبيع اي انسان أرضه بل يشتري المزيد منها له ولأبنائه وأحفاده. لكن مثل هذا الوطن لا يقوم إلا عندما يتحول اللبناني من هوية إلى مواطن، حزبه لبنان وطائفته لبنان، ولا تصنيف بين أبنائه. هذا مسلم وذاك مسيحي، هذا ابن ست وذاك ابن جارية، بل أن يكون لبنانياً وللبنان فقط، وإلا تحوّل اللبنانيون بولائهم المذهبي وليس للمواطنية، قبائل يهمها الحفاظ على نفسها أكثر من الحفاظ على الوطن.
كان الزعيم الراحل كمال جنبلاط يقول: “إن سلامة الوحدة الوطنية أهم من سلامة الحدود”، وكان سياسي فرنسي يقول: “الخوف كل الخوف أن يأتي يوم يتعرض فيه لبنان للانفجار بسبب انعدام الرؤية ورفض التعلم من خبرة الآخرين. فالكوارث التي حلّت بالشعوب لم تأتِ دفعة واحدة، والمشكلة أن اللبنانيين يسمّون السرطان دملة بسيطة”…

المصدر:newspaper.annahar.com