الرابطة المارونية” ومزامير داود

الياس عون

الرابطة المارونية” عنوان طائفي بمضمون وطني. هكذا عرفناها مع الرؤساء الذين تعاقبوا عليها منذ عام 1952، خصوصاً عند الاستحقاقات المصيرية التي كانت تدقّ أبواب لبنان منذرة بالخطر وسوء العاقبة.
وقبل أشهر من انطواء ولاية المجلس التنفيذي الحالي للرابطة برئاسة النقيب سمير أبي اللمع، لا بد من التوقف عند الدور الذي اضطلع به هذا المجلس وسط العواصف الهوج التي هبّت ولا تزال على هذا الوطن الصغير بمساحته، العظيم برسالته الانسانية المسكونية. وذلك بفضل إحاطة ابي اللمع الواسعة بتاريخ لبنان، ودقة تركيبته، وعمق الأزمات المتناسلة والمتوالدة منذ فجر الاستقلال الى اليوم، مما حداه على الموازنة بين المنطق والهوى، والواقع والمرتجى، والصلابة والمرونة في مقاربة الثوابت، بهدف بلوغ قواسم مشتركة تجمع اللبنانيّين على حزمة من المفاهيم التي تؤسس لقيام دولة الحق والقانون، والانتقال من حال التعثر الى حال التدبّر والسير قدماً نحو بناء الوطن القوي.
ولأن “الرابطة المارونية” هي صوت النخب في طائفتها عمدت الى جمع القيادات على عناوين غير خلافية بغاية تعزيز الدور المسيحي في السلطة انطلاقاً من قاعدة المناصفة، وصولا الى قانون انتخاب عادل يوفر صحة التمثيل، ولا مركزية ادارية موسعة، واستعادة حقوق اللبنانيين المنتشرين في الجنسية، وعودة المسيحيين الى أسلاك الدولة وإداراتها وأجهزتها العسكرية والمدنية.
ولعل اللافت هو اهتمام “الرابطة” بالأرض من منطلق رفضها تغيير هويتها، وقد نظمت مؤتمرا لهذه الغاية، قبل عام من مؤتمر تناول موضوع مصير مسيحيي الشرق الاوسط، ولقاء للأحزاب الرئيسية التي وقعت وثيقة دانت العنف والتطرف داعية الى قيام دولة الشراكة الوطنية على أساس روح المواطنة الصحيحة. عدا ما أولت الإنماء المتوازن من عناية بتنظيم مؤتمرات خاصة بكل منطقة.
جالت الرابطة المارونية على القيادات السياسية والروحية، واستقبلت السفراء العرب والأجانب وزارت بعضهم، وتوجت تحركها بزيارة وفد من مجلسها التنفيذي للفاتيكان والدولة الإيطالية، حاملاً معاناة اللبنانيين، ولاسيما المسيحيين، ومفندا في مذكرة تسلمها البابا فرنسيس واقع الحال، مقترحا سبل الخلاص والخروج من النفق. ولكن “على من تقرأ مزاميرك يا داود”.
يكثر الهمس والانتقاد في الصالونات المغلقة، والمنتديات العامة: ماذا فعلت الرابطة؟
والجواب: ماذا تستطيع “الرابطة المارونية” ان تفعل في ظل الخواء الوطني على المستوى السياسي، والتشرذم المسيحي الذي بلغ ذروته، وهي ليست حزبا سياسيا ولا جمعية خيرية، بل حاضنة نوعية لفاعليات الطائفة في كل مجالات الحياة، والحكم عليها يكون من خلال وظيفتها المنصوص عنها في نظامها؟ وكانت ولا تزال امتدادا لصوت بكركي وترجمة له من خلال المواقف التي تعكسها، وهي لم تشذ يوما عن هذا التوجه. وبالتالي، فإن الرابطة المارونية “اشتغلت” بالعدّة المتوافرة لها وأعطت أفضل ما تستطيع إعطاءه في هذه الاحوال الصعبة التي أدركت الجميع ولم تستثن أحداً.
وفي يقيني أن النقيب سمير أبي اللمع استطاع أن يرأس الرابطة بمعاونة المجلس التنفيذي، بكثير من الحكمة مجتنباً الفخاخ، ومحاذراً حقول الألغام، منساباً بين التناقضات، مستقيماً بين التعرّجات، محرّكاً اللجان نحو الملفات المجدية، نائياً بهذا الكيان النخبوي عن الصراعات الحادة المحتدمة بين “فرسان الموارنة” الذين لم يخلوا بعد ساحة النزال، وهم لا يدرون أن استمرار معاركهم المفتوحة دون أفق، ستجعل حالهم كحال لاحس المبرد.

الياس عون
نقيب محرري الصحافة اللبنانية