نظم المجلس التنفيذي للرابطة المارونية في قاعة ريمون روفايل، في مقر الرابطة في الكرنتينا، ندوة بعنوان: “اللامركزية الادارية الموسعة”، حاضر فيها النائب والوزير السابق ادمون رزق، عضو لجنة الدراسات الدستورية والقانونية في الرابطة القاضي سليم سليمان، المدير العام السابق لوزارة المال الدكتور حبيب ابو صقر، رئيس اللجنة الخاصة باللامركزية وزير الداخلية السابق زياد بارود، وحضرها النائب نعمة الله ابي نصر، ممثلون عن كل من الرئيس امين الجميل، الوزراء في حكومة تصريف الاعمال الدفاع فايز غصن والداخلية مروان شربل والطاقة والمياه جبران باسيل، رئيس “تكتل التغيير والاصلاح” العماد ميشال عون، النائبين سليمان فرنجيه وسامي الجميل،كما حضر

رئيس المجلس الماروني العام الوزير السابق وديع الخازن وحشد من الشخصيات الاكاديمية والحقوقية والقانونية وممثلو رؤساء جامعات ومهتمون.
بعد النشيد الوطني وتقديم لرئيس لجنة الانشطة في الرابطة فادي جرجس، تحدث رئيس الرابطة سمير ابي اللمع، فلفت الى أن “في الدولة المركزية التي نعيش في كنفها يدور صراع حول من يريد الدولة على قياسه، ومن يريد نفسه قبل الدولة، ومن يريد ان يبقى سواه خارج هذه الدولة”، منبها الى ان “السلطة المركزية باتت عبئا على المواطن، تجعل من نفسها قضية نفسها ولا تدخل في عمق متطلبات المواطن وحاجاته الملحة”.
ورأى ان “الشروط الاساسية لقيام التكامل بين المواطنين تكمن في تحقيق الديمقراطية الصحيحة والتنمية المتوازنة والامن الشامل، وهي الاسس التي تقوم عليها اللامركزية في العلم الدستوري الحديث”، مشيرا الى “ان تطبيقا ناجحا للامركزية الادارية الواسعة وضمن اطار وحدة الوطن، يمكن ان تنعكس نتائجه ايجابا على مختلف الفئات الاجتماعية والمهنية والثقافية والسياسية وسيمنح الشعب حق المشاركة الديمقراطية الفعلية في ادارة شؤونه المحلية بما يراه نافعا ويريحه من الالية البيروقراطية التي يتسم بها النظام المركزي، كما انها ستتيح للقوى السياسية والنخب المدنية خوض تجربة هذا النوع المتطور من الحكم، الذي يمثل بالنسبة الى بعضهم مرحلة تمهيدية لخوض العمل السياسي على مستوى السلطة المركزية بما يحقق امال البعض في قيام الدولة المدنية العلمانية التي ينشدون”.
وشدد على ان “خوف البعض من بلوغ اللامركزية الادارية الموسعة حدود الكونفدرالية الطائفية هو في غير محله، اذ ان اللامركزية الادارية تترافق عادة مع اصلاح اداري يشمل تقسيم المناطق جغرافيا، وفق اعتبارات تنموية لا طائفية تعيد التوازن الى المجتمع الوحدوي القائم على ممارسة الحقوق والواجبات”.

رزق
ثم تحدث رزق، فأوضح انه “في الطائف اعتبرت اللامركزية من الاصلاحات الاخرى”، لافتا الى ان “ظاهر الطرح كان انمائيا وباطنه اعطاء المناطق فسحة استقلالية لممارسة انمائية ثقافية واقتصادية وبقي كل ذلك حبرا على ورق، وكان نصيب اللامركزية نصيب سواها من الاحكام التي وضعت وبقيت مادة للغرغرة بين المُنَصبين على البلد، فيما ذهب اخرون الى التقية والتنظير في مواضيع غير مطروحة استباقا لما يخالون انه سيصير واقعا”.

وإذ لفت الى ان لقاء الوثيقة والدستور طالب “بتنفيذ اللامركزية الادارية ووضعنا بعضا من قانون ولا يزال الموضوع مطروحا للتداول”، قال ان “هاجس الانماء المرتبط باللامركزية الادارية الموسعة سيطر على الاذهان منذ عشرات السنين وكدنا في 1973 ان نحقق شيئا من ذلك عبر مشروع تجمع المدارس ومشروع دور المعلمين المتخصصة والحزام الصحي ولم ينفذ شيء، وها نحن نعود الى الموضوع”، منتقدا “الاهدار الهائل في التنظير فيما المطلوب التركيز على مبادرات عملية بين هل نحن دولة ام لسنا دولة وهل هناك شيء مؤسس”، مشددا في هذا السياق على وجوب ان “تنشط الدولة المركزية سلطتها على الاراضي اللبنانية قبل التفكير في اللامركزية، لاننا نريد اولا مركزية الدولة ووحدتها ولا يمكن ان تقوم دولة مركزيةبايمان مشترك وولاء موحد للدولة وبأدوات الشرعية دون سواها”.
ورأى ان “الاولويات التي تفرض نفسها هي الاصلاح، والاولوية الاولى يجب ان تكون استعادة البلد من التفتت والضياع، وبدء تطبيق المادة 95 من الدستور واقتلاع الطائفية عموما توصلا الى الغاء الطائفية السياسية”، معتبرا انه “بوجود احزاب طائفية ودينية لا يمكن التفكير بالدولة”، مطالبا ب “دولة مدنية وباقتلاع الطائفية من جذورها”.
وطالب “الرابطة المارونية بأن تكون حركة نهضة في اتجاه العلمنة والمواطنة وعندها لا مشكلة في اللامركزية”، مشددا على “وجوب وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، فالمطلوب نائب ينوب ووزير يزر ورئيس يرئس”.

ابو صقر
واشار ابو صقر الى ان “معظم دول العالم تعتمد النظام اللامركزي الموسع”، لافتا الى ان “اتفاق الطائف نص على اللامركزية الادارية الموسعة”.
وبعدما عرض المبررات الانمائية لاعتماد اللامركزية عالميا، اشار الى ان “اللامركزية في لبنان تضمن التمثيل الصحيح لشرائح المجتمع التعددي على مستوى البلديات او المحافظات، خصوصا في ظل الاصطفاف المذهبي، وتعطي الهيئات اللامركزية الصلاحيات الواسعة لترتيب شؤون مناطقها عمرانيا وثقافيا واجتماعيا وفق ما يلائمها ضمن وحدة الدولة”.
ورأى ان “النظام اللامركزي يمكن ان يتكون في لبنان من المجلس البلدي (منتخب) مجلس المحافظة (منتخب) وممثل السلطة المركزية اي المحافظ، شارحا التكوين المقترح لكل من المجلس البلدي ومجلس المحافظة وطريقة انتخاب هيئاتهما وصلاحياتهما بالاضافة الى صلاحية ممثل السلطة المركزية.
واوضح ان “مشروع القانون الذي وضعته الرابطة المارونية لمجلس المحافظة “لحظ له 35 اختصاصا تشمل صلاحيات انمائية تقدمها عادة الوزارات الخدماتية وتكون له الصفة التقريرية والتنفيذية في مجالات الاشغال العامة والنقل، الاتصالات، الاقتصاد، السياحة، العمل، التربية الوطنية والتعليم العالي، الطاقة والمياه، الزراعة، الصحة العامة، الشؤون الاجتماعية، الصناعة، البيئة، الثقافة، الاحوال الشخصية والدفاع المدني، على ان يؤلف لجنة من الاختصاصيين في مجالات صلاحياته”.
وفي شؤون مالية البلديات، اشار ابو صقر الى “16 رسما تستوفيها البلديات وفق القانون ولا قدرة لمعظمها، خصوصا في البلديات الصغرى، على استيفائها”، مقترحا “تفعيل الرسوم التي تستوفيها الدولة لصالح البلديات وتخصيص مجالات ضريبية اخرى للبلديات لتتمكن من القيام بدورها الانمائي، بالاضافة الى تعزيز مالية مجالس المحافظات”.
وضمانا لحسن انفاق الاموال العامة، اشار الى ان المشروع يتضمن، بالاضافة الى الرقابة التسلسلية، “تفعيل ديوان المحاسبة لجهة الصلاحيات والملاك وجعل رقابته على الاداء بدل ان تكون رقابة مؤخرة”.

سليمان
واشار سليمان من جهته الى ان “التوجه نحو اللامركزية، الذي يبنى على قرارات المواطنين، يهدف إلى التنمية السياسية، والتحسس بمفاهيم الحرية ومشاركة المواطن، بدءا من القرية، وانتهاء بأعلى السلطة، من خلال التمرس في اتخاذ القرار والتزام القانون في ممارسة السلطتين التقريرية والتنفيذية في البلديات.
واوضح ان “المركزية واللامركزية، هما اتجاهان وليستا مضمونين محققين”، معتبرا “اللامركزية من الضرورات السياسية، كما انها تساهم في تخفيف التضخم الذي يشكو منه الجهاز المركزي”.
وشدد على “ضرورة ان تحقق اللامركزية التحرر لا الاستقلال”، لافتا الى الرقابة الادارية “الممنوحة بالقانون لشخص إداري مركزي، ليمارسها على شخص معنوي إداري لا مركزي في مراقبة أشخاصه وأعماله في سبيل حماية المصلحة العامة، وفي صلبها وحدة الدولة والأموال العمومية”.
وحدد معايير مشروع قانون اللامركزية في لبنان بتطوير العمل البلدي، معددا 12 نقطة لمفهوم التنظيم اللامركزي ملخصها: “تعارض النهج المركزي في التنظيم الإداري مع المفهوم الحديث للديمقراطية الليبرالية، تتيح اللامركزية للمجموعات المحلية والإقليمية ترجمة حرياتها، وتقرير مصالحهم المباشرة وإدارتها لأنها أدرى بهذه المصالح من الإدارة البعيدة في العاصمة، رعاية المصالح المشتركة المركزية والمحلية، تجري الإنتخابات الإدارية والبلدية على أساس المسجلين مع إعطاء المقيمين نسبة معينة من التمثيل، يَضَعُ ممثلو المواطنين المنتخبين، في الوحدة اللامركزية، القاعدة الملزمة لهم جميعاً في الشؤون المشتركة بينهم، يتولى ممثلو الجماعات المنتخبون على درجة واحدة، مصالح هذه المجموعات المعنوية والمادية وينضوون في وحدات إدارية متعددة وفق تقاليدهم ونمط حياتهم وبيئتهم الجغرافية والثقافية، يتولى ممثلو الجماعات المنتخبون على درجة واحدة مصالحهم باستقلالية، وليس باستقلال عن الدولة التي تبقى موحدة الأرض والقاعدة ومفهوم الحكم الليبرالي المنفتح والمحافظ على التوازن في إنماء المناطق، تتمتع المجموعات بالشخصية المعنوية وبالإستقلال المالي والإداري وتتخِذُ القرارات المناسبة بما لا يَتعارَضُ مع الدستور أو القوانين المركزية، تتمَيزُ إدارة المجموعات والبلديات الكبرى عن البلديات الصغرى، تَتَوَلى السلطة المركزية الشؤون العسكرية والخارجية والنقدية والمالية العامة والتنظيم القضائي والرقابة المالية والأحوال الشخصية المشتركة باستثناء القوانين الخاصة بالطوائف، يُحَدد النظام الضريبي بصورة عامة الضرائب والرسوم التي تَفْرِضُها الإدارات المحلية وتلك العائدة للسلطة المركزية، تَخْضَعُ أعمال الدولة وأعمال المجموعات لتمحيص القضاء لجهة المحافظة على وحدة الدولة واستقلالية المجموعات، ولا يكون للدولة سلطة تسلسلية على المجموعات”.

بارود
اخيرا، تحدث بارود فأشار الى ان “اللجنة اخذت في الاعتبار، لدى اعداد مشروع القانون، كل الاقتراحات المتعلقة باللامركزية”، لافتا الى ان “المشروع يتضمن 155 مادة متكاملة وهو يتقاطع مع اقتراحات اخرى ويذهب في اتجاهات مختلفة في غيرها”، لافتا الى ان “الخيارات تنطلق من الطائف ومن دولة مركزية قوية، لكن عندما يتأزم المركز لا نريد ان تضرب كل مفاصل حياة الناس”.
اضاف: “المركزية يجب ان تعبر عن نبض الشارع وعن حاجات الناس وان تؤمن لها تمويلا واضحا مباشرا ليس عبر السلطة المركزية”، معتبرا “العصب المالي اساس اللامركزية ومن دونه لا مجال للتطبيق”، لافتا الى ان “المشروع اقترح صندوقا مركزيا منتخبا وصندوقا مركزيا يخضع لمؤشرات موضوعية”.
في التقسيم الاداري، لفت الى ان “المشروع نص على توزيع المجالس المحلية على مستوى قضاء وما دون ونقل سلطة القائمقام الى السلطات المنتخبة، على ان تلغى اتحادات البلديات تدريجا لمصلحة مجلس القضاء وتنتقل صلاحيات المحافظ في منح التراخيص الى البلديات، كذلك تنقل اليها صلاحيات الوزارات في الترخيص، وابقى على المحافظ كسلطة ربط مع السلطة المركزية”.
اضاف: “ابقينا على البلديات كما هي، لان المشكلة ليست في البلديات بل في التمويل، ولتمكينها من تنفيذ مشاريعها اقترحنا حوافز لتوحيد البلديات واعطائها الامكانات لتعيش”، لافتا الى ان “مجالس الاقضية ستأخذ صلاحياتها من السلطة المركزية”.
ولفت الى “الغاء الرقابة المسبقة على البلديات واعتماد رقابة قضائية لاحقة تكون ضمانة للعمل لا تعرقله وتبعد التأثير السياسي عن اشخاص منتخبين”.
واعتبر ان “اللامركزية موضوع ميثاقي وليست فقط موضوعا تقنيا، هو خيار لبنان الموحد والتعددي ومشروع ميثاقي لوطن نريده ان يتنفس بكل مكوناته”، معتبرا ان “الوقت الضائع في السياسة هو وقت للعمل وان المشروع سيناقش ويرفع الى مجلس الوزراء في اقرب وقت”.