أرحبُ بالحضور الكريم فرداً فرداً مستهلةً كلمتي بالتعبير عن فرحي وسروري بإقامة هذا اللقاء في قضاء الشوف، وتحديداً في بلدة دير القمر العريقة.

 

1920 – 2015، خمسُ سنوات تفصلنا عن مئوية تأسيس لبنان الكبير.

خمسٌ وتسعون سنة مضت وما زلنا في طور تأسيس وطن، خمسٌ وتسعون سنة مضت وما زلنا نحاول متعثرين بناء وتثبيت دولة القانون والمؤسسات، دون أن نغفل الإنجازات التي تمت في عهد الرئيس فؤاد شهاب أب المؤسسات وما سبقها من تمهيدات إبان عهد الرئيس كميل شمعون. فنحن بكل بساطة نعيش في ما يشبه مسودة وطن Brouillon وطن.

عم بحلمك يا حلم يا لبنان….

الى متى لا أستطيع أن ألتقي وطني كما أحبّه وأريده إلا بالأحلام؟

وطني وطن العزة والكرامة والعنفوان،

وطن العيش المشترك والشراكة وحضارة المحبة وتقبّل الآخر،

وطن البحبوحة والعيش الكريم والرخاء، وطن الإعتدال والإنفتاح، وطن الإنسان.

ماذا صنعت أيدينا؟

الى أين أودى بنا الأداء والنمط السياسي المتبع في هذا البلد؟

الى أين قادتنا لا مبالاتنا كمواطنين؟

المسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً دون إستثناء، من المواطن العادي الى أرفع مقام سياسي في الجمهورية.

الكل مسؤول ومقصّر في حق هذا الوطن، كلٌ على طريقته.

لنكون لبنانيين يجب أن نستحق لبنانيتنا ونعمل جاهدين يداً واحدة للحفاظ على هويتنا وصون وطننا.

رغم إنتهاء الحرب، لم ننعم بدولةٍ قادرةٍ على تحرير مواطنيها من الخوف والعوز، دولة قادرة على تأمين الحماية من التهديد والمرض وتوفير بيئة حاضنة آمنة مستقرة، ترعى وتحضن أبناءها دون تمييز.

لا خلاص لنا بتاتاً إلا بولائنا المطلق وإنتمائنا الوحيد للبنان.

لا بصيص نور إلا بتماسك وتضامن وتعاضد مجتمعنا اللبناني على إختلاف طوائفه وتعدد مذاهبه.

ولا أمل إلا بالتنشئة الوطنية والمواطنة الصالحة اللتين تشكلان نواة تأسيس وبناء الأوطان. يجب العمل على إعداد وتربية أجيال تعي تماماً حقوقها وواجباتها من خلال تعميق القيّم والمفاهيم.

على كل مواطن أن يكون العين الساهرة والحريصة على وطنه،  أن يكون متيقظاً، مدركاً ومتفاعلاً مع ما يدور من حوله بأساليب لائقة حضارية راقية.

نعم واجبنا كمواطنين المحاسبة ومساءلة صُنّاع القرار، لكن فلتكن محاسبة دقيقة علمية موضوعية وغير عشوائية.

ولكي لا يحاسبنا التاريخ بدورنا ولا تلومنا الأجيال الصاعدة الواعدة على تقصيرنا وتلكئنا، آن الأوان لنعمل سوياً يداً بيد على تعزيز ثقافة تقبّل الآخر وإحترامه بعيداً عن الطائفية المدمرة والقاتلة.

لنلتقِ معاً على تعزيز ثقافة التخطيط والعمل والإنتاج لدى شبابنا، وعلى تفعيل التنمية كلٌ حسب موقعه، فالتنمية حق من حقوق الإنسان، شرط أن يكون معياري الكفاءة والنزاهة الواسطة الوحيدة التي يحتاجها شبابنا.

نطالب بتعزيز إحترام حقوق الإنسان، وبتمكين قدرات المرأة، نطالب بالإنماء المتوازن لخلق فرص عمل وتثبيت المواطن بأرضه وكفالة حقنّا بالعيش بكرامة في بلدنا، رافضين تصدير فلذات أكبادنا الى أصقاع الدنيا، باحثين عن لقمة العيش والأمان.

ولكي لا يبقَ لبنان بلد الفرص الضائعة، نطالب بتفعيل دور المؤسسات وتنشيطها وتطبيق القوانين وتحديثها، رافضين التمديد والفراغ…

كفانا لعباً بمصير شعبنا وشبابنا، أصبحنا أضحوكة أمام الرأي العام العالمي…

وبالعودة الى موضوع اليوم لقاء الشوف حول الإنماء، نؤكد على ضرورة ووجوب أن تخلق كل بلدبة جهازاً متخصصاً أو على الأقل أن تتعاقد مع مؤسسات تساعد على إرشاد وإعداد دراسة جدوى إقتصادية لمشاريع إنمائية، وبالتالي تكون البلديات على جهوزية تامة لتقديم الطلبات والمشاركة في البرامج في الفترات الزمنية المحددة والإفادة من المنح المتوفرة لتمويل المشاريع الإنمائية.

البلدية خطة تنموية، وإستباق لأوضاع قد تستجد، وهي أيضاً إمتلاك وسائل عمل ومهارات.

ونحن هنا نرفع الصوت الى ضرورة وحاجة البلديات الى تحديث الملاك، وإيجاد أنواع وظائف جديدة مرتبطة بالدور الإنمائي الموكل لها، لأن من أبرز الصعوبات وما أكثرها عدم تناسب الهيكلية الإدارية الحالية للبلديات مع المهمات المطلوبة منها على الصعيد الإنمائي.

إن معظم البلديات ما زالت تعمل وتخطط على المدى القصير، وذلك إما بسبب الكمّ الهائل من المسؤوليات والمهام الملقاة على عاتقها منذ توليها المسؤولية، وإما لأن المشاريع القصيرة المدى توفّر مردوداً إنتخابياً أكبر للمسؤولين، أو لإفتقارها القدرة التقنية لصياغة إستراتيجيات مستقبلية وخططٍ إنمائية شاملة، مما يؤدي الى عدم التوسع في الدور التنموي وإقتصار العمل على الدور الخدماتي.

ولكن حرصاً على فعالية وجدوى التخطيط، من الضروري إجراء مسحٍ ميداني إحصائي لواقع النطاق البلدي الديمغرافي والإجتماعي والإقتصادي، وللمشاكل والحاجات والموارد المتوفرة في المنطقة، المعطيات الإحصائية تساعد المجلس البلدي على إتخاذ قرارات تتناسب وحاجات المواطنين، والدراسات الإحصائية العلمية تساعد في عملية التخطيط على المدى البعيد وهذا هو الأهم.

نلاحظ للأسف أحياناً أن التوجه غالباً في العمل البلدي نحو مشاريع متفرقة غير مترابطة وغير متكاملة، ويعود أحد الأسباب أن مهمات موظفي البلدية محددة بأدوار لا علاقة لها بالمشاريع الإنمائية، في حين أن أعضاء المجلس البلدي غير متفرغين للعمل البلدي.

وفي ظل هذا الدور الإنمائي، تحاول المؤسسات المانحة إطلاق برامج ومشاريع والسعّي الى تنفيذها من خلال البلديات، ولكنها تواجه صعاباً جمة منها محدودية البلدية في تنفيذ هذه المشاريع ومتابعتها، وصعوبة قدرتها على تحديد المشاريع الإنمائية، إذ أن التوجه يذهب أكثر نحو البنى التحتية كإنشاء الملاعب أو شقّ الطرق، أو إقامة جدران دعم، بدل إعتماد مشاريع يمكن أن تشكل أرضية لإيجاد وخلق فرص عمل وتحقيق نمو إجتماعي إقتصادي وتثبيت المواطن في أرضه والعمل على عودة المهجرين والنازحين، ومحاولة ربط المغتربين والمستثمرين بأرضهم الى ما هنالك.

وعلى صعيد آخر، أننا نشدّد دوماً على أهمية علاقة البلديات بالمواطنين والجمعيات المحلية ومؤسسات المجتمع المدني.

والسؤال يطرح نفسه هنا:

لماذا ضرورة إشراك المجتمع الأهلي والمدني طالما جرت إنتخابات أفرزت مجلساً بلدياً يمثل الرأي العام ويهتم في شؤون الناس وإدارتها؟

أولاً: إن المشاركة تؤمن التواصل الضروري بين المجلس البلدي والمواطنين. لو تم إنتخاب أفضل مجلس بلدي، لا يلبث أن ينفصل عن المواطنين إذا لم يكن هناك آلية مستمرة وتشاور دائم، ويصبح للمجلس البلدي توجهاً وتفكيراً منفصلين عن هموم المواطن. المشاركة وخاصة مشاركة الشباب هي نوع من ” الإستفتاء الدائم “ للمواطنين إذا جاز التعبير لتصحيح المسار ولتحديد الأولويات وتوجيه العمل البلدي.

ولا بد من وضع آليات مشاركة وأُطراً تسمح بإشراك المواطنين في مختلف المشاريع البلدية.

المشاريع الإنمائية والحاجات لا تنتهي ومن غير الممكن أن تقوم بها البلدية منفردة، لذلك من الضروري التعاون مع الجمعيات الأهلية وجميع العناصر الفاعلة في المجتمع الذين لديهم التجربة ويتمتعون بالخبرة والمعرفة ويتحقق بالتالي الإنتماء الفعلي لدى المواطنين ويتم بناء علاقة تعاون وثيقة بينهم وبين السلطة المحلية.

ثانياً: إن المشاركة الأهلية تعزز المبادىء التي توجه العمل البلدي ومنها توطيد الروابط الإجتماعية وتفعيل العمل الديموقراطي، وإطلاق العجلة الإقتصادية وتطوير المشاريع الإنمائية.

ثالثاً: إن المواطن هو طرف في آلية العمل البلدي، وبالتالي فإن تجاوبه ومشاركته وتفاعله مع القرارات والسياسات المحلية وطرح الملاحظات والإنتقادات والمطالب ضرورة ملحّة لإنجاح العمل البلدي.

وكما يقول أحد رؤوساء البلديات: ” إن العمل البلدي هو عقد شراكة بين البلدية والمواطنين، فإذا أخّل أي طرفٍ بواجباته لا ينجح العمل “.

ويبقى المحور الرئيسي في عملية التنمية الإنسان.

إن المواطن هو محرك الحياة في مجتمعه ومنظمها وقائدها ومطورها ومجددها، وهدف التنمية هو تنمية الإنسان في المجتمع في كافة المجالات الإقتصادية، الإجتماعية، الفكرية، العلمية والثقافية.

وألله ولّي التوفيق.