بطريرك لبنان وسنديانته العتيقة

 

 

 

 

واحدة من سنديانات لبنان العتاق…

نسر أشيب …

من رحم الأرض طلع كاسياف أسطورة..

وفي حدقة التاريخ إرتسم علامة من علامات الزمان…

فصاحة بيان… بلاغة قول… مضاء موقف… رجاحة عقل … توثب فكر… في كلامه إيجاز وإعجاز … ممسك شراعه … لا يترك الانواء تتقاذفه الى حيث لا يريد … في صمته يضج صوت الضمير … وفي خطبه تكمن بوصلة لا تخطيء الاتجاه…

إنه نصرالله بطرس صفير- بطريرك لبنان الذي تسنمّ ذرى الفضائل، محصناً بزاد التقوى، سلاحه الصلاة، وهي طريقه الى معرفة الله والاستقواء بارادته ورحمته في الشدائد، وقد واجهها بعزيمة لا تلين، مبديا من ضروب الصلابة ما يعجز عن وصفه لسان …

نصر الله بطرس صفير في غنى عن شهادة فيه وله، إن من يعطيها لأنه إتخذ من وجدان اللبنانيين مسكناً له، من إبتعد عنه، لأنه لم يبتغ شيئاً لنفسه … زاهد مترفع، عفيف اللسان واليد … كبير القلب، لكن عندما يطلق موقفاً يكون لكلماته وقع الزلزلة لانه يحفر في صخر اللغة،… المفردات التي يصوغها بعناية الجواهري، ويسقطها على الموضوع، إسقاط الماسة في موقعها.

هنا يكمن سر فرادته وعمق حضوره، وهو المتواضع الذي لا يستهويه إلا ثراء الروح الذي يمحو أي ثراء دنيوي … قال فيه أحد الصحافيين الأدباء يوماً “نصرالله فم الذهب”، فلم يخطيء في توصيفه لأنه توسل الكلمة في مقاومة الظلم، والاحتلال، وكل الاجراءات السالبة للحرية، يوم كانت الحروف محصاة كشعور الرؤوس مع إختلاف العدّاد والهدف …

منهم من أغدق عليه لقب “الصقر” ومنهم من إستعار له صفة “الأسد” و “النمر”، ومنهم من خاطبه في الباروك عندما شرع في غرس أرزة “أعجب كيف أن أرزة تزرع أرزة”، لكنه ظلّ ثابتاً وراسخاً لم تستبد به نشوة، أو يسكره مديح لأنه صاحب رسالة، ورجل إيمان يستودع في شخصه كل هذه الصفات وأكثر.

هو واحد من أمراء الكنيسة المارونية استحق هذه المرتبة بما أظهره من زهد وتقشف مقتدّياً بأحبار عظام قيل فيهم وعنهم “عصيتهم من خشب أما هم فمن ذهب”. وقد إنطبق عليه وصف “عالم كماروني” … وهو الأكثر إدماناً على المطالعة والبحث والتدقيق، والاكثر براعة في تطويع لغة الضاد، وما يتقن من لغات،الى سلطان فكره، فتنتثر الكلمات المتدفقة من فمه … ومن فيه… تناثر الانجم الزهر في رحب السماء محييّة يباس العقول التي أدركها التحجر، وجفاف القلوب المكلسّة المنغلقة على الشر والخطيئة…

إن تكرّم ” المسيرة ” نصر الله بطرس صفير بطريرك إنطاكية وسائر المشرق، وتفرد الصفحات لكي يشهد له عارفوه وقادروه، يعني أنها تعيد إحياء ذاكرتنا والإضاءة على مرحلة كان فيها المكرّم عنوان المقاومة السلميّة التي قبلت المقاييس، وأحدثت التحول النوعي في اتجاه الحرية والتحررّ. … غيّر وجه لبنان، وأعاد الامل لشبابه الذي فقه أن وحدة الشعب حول هدف سام ومشترك، يحقق المعجزات. هيهات لو تستعاد الروح التي نفحها هذا البطريرك العظيم في شرايين لبنان، ونعيد معاً إنتاج الوطن الذي نتوق لبنائه مركوزاً في قيم الحق والعدالة وقبول الآخر، وهي عناصر أساسية في إعطاء معنى للحرية وتعميم ثقافتها والتأدب بسلوكياتها.

إن نصرالله بطرس صفير ترك لنا إرثاً حبّر وثيقته بصلابة الموقف والالتزام العميق برسالة لبنان وقضيته، إنه يختصر تاريخ الموارنة ونضالهم ومعاناتهم، ويفسح من مغازل عطاءاتهم، صورة الوطن الذي يطمح إليه قوياً بإيمان أبنائه، وثباتهم على أرضهم، ومحبة بعضهم لبعض، لأنهم إذا لم يفعلوا، لن يجدوا من يحبهم.