2   +   6   =  

الكشفيةُ مدرسةٌ ورسالةٌ، ورتاج عالٍ يلجه المؤمنون بقيمّها، وقد تحصنّوا بالاخلاق والانضباط، وتظللوا بروح الجماعة، حيث الكلّ واحداً، والواحد للكلّ. هذه المدرسة التي أسسّها باون باول عمّت العالم مخترقة الحواجز اللغوية والسدود العرقية، والفروقات الدينية، وتطلعت الى الانسان كقيمة مطلقة تختصر صورة الله في خلقه، والى الطبيعة بما ترمز من غنى وتنوّع، وتآلف وتناغم، دافعت عنهما بتنمية روح المبادرة، واطلقت المواهب المميزة والابداعات الكامنة لدى الناشئة من عقالها، وثمرتها في خدمة المجتمع.
والكشفية في مراحلها كافة تحمي الناشئة وتجملّها بالفضائل، وتعمّق في الوعي حسّ الخدمة العامة، واحترام النظام والقوانين ومساعدة المحتاج واغاثة الملهوف، والحفاظ على البيئة والتراث.
هذه الصفات لازمت المنخرطين في هذه المدرسة حتى بعد خروجهم منها، لخوض معترك الحياة بكل مضامينه. وغالباً ما نجدهم في الاحتفالات الكشفية يجددون قسم هذه الحركة العظيمة التي لم تنحسر أو تضمر، مصطحبين أولادهم وأحفادهم على أمل أن يحلّوا محلهم في متابعة المسيرة على خطاهم، من اجل عالم أفضل يسوده الاخاء، والتواصل، وربط الانسان بأخيه الانسان، والدفاع عن البيئة المنتهكة، وإبقاء الوشاح الاخضر قلادة في عنق الاوطان.
إن الكشاف الماروني الذي تربطه أوثق العلائق بالرابطة المارونية، والحاضر دائماً في كل نشاطاتها، مواكباً ومنظماً، حافظ على القيم العالمية للكشفية، وتقيّد بقوانيها وأعرافها، وترجم رسالتها في مجتمعه متشبثاً بالمبادىء الوطنية والدينية التي تقوم على احترام الاخر، ومساعدة القريب والبعيد، والمبادرة الى الخدمة. وهو قام بانجازات كبيرة ومحمودة لا مجال لايرادها في هذه العجالة.
وعندما نأتي على ذكر الكشاف الماروني، يتبادر الى أذهاننا الزميل المحامي، جوزف حارث خليل، اللبناني، الماروني، المتحدر من إحدى قلاع كسروان – الفتوح الحصينة: حراجل، باني نهضة هذه الجمعية، وصاحب المشروعات الرائدة التي كانت محط تقدير العائلة الكشفية واعجابها، ما فتح أمامه أبواب العديد من المواقع الوطنية والدولية، والمؤسسات المارونية اللبنانية أكبرت فيه نخوته، ومواظبته على العطاء بروح رسولية. وهذا ليس بالامر المستغرب إذا ما عرفنا أنه ينتمي الى عائلة مارونية كريمة، أصيلة في هذا الجبل اللبناني المنيع الممتنع، توارثت عن جليلها الخوري حارث خليل، الفضائل المسيحية، والتقاليد المارونية المشبعة بالقداسة والبطولة، ومن والدة مؤمنة، ورعة محبة، ساعية دائماً الى الخير.
ربع قرن من العطاء دونّه جوزف في هذا الكتاب الذي يحمل توقيعه، ويضمّ بين دفتيه مجموعة من الخطب، والمحاضرات، والبيانات والوثائق التي تدّل الى شغفه برسالة الكشفية، وبالكشاف الماروني الذي أصبح معه، جمعية ذات حضور مميز بين نظيراتها من الجمعيات، وهو مدعاة فخر واعتزاز لنا. وقد بلغ من حبّ أعضاء الجمعية له، وتثمينهم لعطاءاته، وتضحياته، أن سموّه بالاجماع رئيساً فخرياً للكشاف الماروني مدى الحياة، وهي تسمية يستحقها ويستأهلها، لأن من له يعطى ويزاد. خصوصاً أنه ضاعف الوزنات ووهب من دون حساب، وكان مثلاً وأمثولة في السخاء والاندفاع.
إن الخطب الواردة في متن الكتاب تشي بجزالة الاسلوب، وسلاسة الديباجة، ووضوح المنطق، وسلامة الرؤية، والمعالجة الدقيقة للموضوعات التي تصدّى لها صاحب التكريم بإيجاز بليغ يختصر الكثير من الكلام. وهذه الكلمات الخطب تعكس ما في قلبه من صفاء، وفي فؤاده من فطنة، وفي عقله من رواء.
ربع قرن مضى على دروب العطاء، ولا يزال عضو الرابطة المارونية جوزف حارث خليل، ممسكاً المحراث يشق طريقه الى الامام، يحدوه إيمان بقدسية الرسالة التي نذر نفسه لها. فكلنا معه، يداً بيد من أجل الانتصار لقيم لبنان التي تشكل الكشفية إحدى دعاماته البارزة.