غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي ممثلاً بسيادة المطران بولس مطر السامي الاحترام
أصحاب المعالي والسعادة والسيادة
الحضور الكريم،
عشرة أيام تفصلنا عن الخامس والعشرين من أيار، وليس في الأفق ما يشير إلى إمكان إنتخاب رئيسٍ جديدٍ للجمهورية في الموعد الدستوري المحدد، مما يشكل هنـــة بارزة في حياتنا الديموقراطية ولطخة على جبين نظامنا البرلماني، ومعابة في إدائنا السياسي، وبدا أن اللاعبين يتبارون على حافة الهاوية، وكأنهم لا يخشون السقوط … وقد تغافلوا، أن السقوط إذا حصل، لا قدر الله، سيكون عظيماً.

فهل استقال اللبنانيون الأحرار من دورهم، وأوكلوا أمرهم إلى غير جهة وتنازلوا طوعاً أو رغم إرادتهم عن حقهم الدستوري في انتخاب رئيسٍ، يجمع حوله القيادات الوطنية، ناسجة آليات التعاون المفتوح من أجل إنقاذ لبنان والنهوض به، بعد طيّ الحقبة السوداء التي باعدت بين أبنائه وفرقتهم، وكأنهم لا يواجهون مصيراً مشتركاً، ويستظلون سماءً واحدةً ويتقاسمون حلو الحياة ومُرِّها.

السؤال الذي يطرحه المواطن العادي اليوم: لماذا ترتفع كل العقبات والمعوقات مع كل إستحقاق رئاسي في لبنان، وأين تكمن العلة؟ هل هي في دستورنا أو نظامنا، أو في ضعف تماسكنا الوطني؟
تتعدد التحليلات والأجوبة، ولكن النتيجة واحدة: ضياع وخوف من الشغور … وإذا كان الشعور يختلف لغة وقانوناً عن الفراغ، فالمفاعيل واحدة، خصوصاً عندما يخلوَ قصر بعبدا من سيده، ويصبح القصر من دون رئيس.

ثمة من يلقي المسؤولية على القيادات المارونية، لعدم إتفاقها فيما بينها، وعدم إيفائها بالتعهدات لسيد بكركي، الذي بادر إلى جمعها، بعدما استشعر خطر الشغور الممكن، محاولاً تداركه قبل فوات الآوان.
وثمة من يرى، أن الاصطفاف السياسي الحاد الذي شكلت هذه القيادات جزءاً منه، أوقع الاستحقاق في أسره.

على أن البعض يجد في الكلام عن وجوب لبننة الإنتخابات الرئاسية ، نوعاً من الطوباوية، وضرباً من الخيال، لتعذر فكِ الإرتباط بين لبنان ومحيطه، ودفع تأثيرات الحراك الدولي والإقليمي الناشط على إمتداد المنطقة.

ما العمل إذن؟ وهل يمكن أن تحدث المعجزة، فيكون للبنانيين رئيسٌ يستطيع حمل المشعل الذي يتهادى إليه من سلفه قبل الخامس والعشرين؟
سؤال بحجم التحدي، وبرسم القيادات اللبنانية جميعها، الإسلامية والمسيحية.
وهنا نرى من حقنا أن نتوجه إلى القيادات المارونية تحديداً، لنسألها عن السبب، الذي أوصلنا إلى هذه الحال من التخبط والتشتت.
ألم نتعظ بعد من عبر الماضي القريب والبعيد؟ وكيف لنا أن نستعيد دوراً نفتقده، في ظل الإنقسام الواقع والواضح الذي لا يمكن إغفاله وإنكاره؟

ولا يكفي القول أنه ثمة عناوين وقناعات كبرى تجمع بيننا، وإن منظومة الثوابت تشد بعضنا إلى بعض، إذا لم نفعل ذلك في سلوكنا الوطني والسياسي، ونعمل على ترجمته عملياً.

إنتخاب رئيس للجمهورية، أيها الحضور الكريم، في الموعد المحدد مسألة مبدأ وسيادة. أنا تُحيرني العيوب المكشوفة بل الفاضحة، التي تنخر لغتنا السياسية والديموقراطية، وأنّـــى تكن هذه العيوب صغيرة أم كبيرة، فقد طفح الكيل عند الناس. نحن في الرابطة المارونية مطلبنا واحدٌ، هو الحفاظ على روحية الدستور، تمهيداً لقيام الدولة المدنية التي نسعى إليها، دولة الحق والقانون والديموقراطية والحرية والسيادة، دولة العلم والثقافة والانفتاح.

بصراحةٍ، الموارنة لا يستحقون هذا القصاص الجائر. فليؤخذ لحلّ هذه المشكلة مضمون مذكرة بكركي، وقد رأت فيها الكثرة الساحقة من اللبنانين طريقاً الى وفاق وطني واسع، ينسحب على كل محطاتنا واستحقاقاتنا الدستورية، فالمذكرة تصلح لأن تكون إطاراً ودستوراً للإستحقاقات الوطنية، الرئاسية والحكومية وحتى النيابية، لأنها لا تتضمن ما يمكن أن يختلف عليه لبنانيان حرّان.

وبهذا، تكون بكركي قد قدمت حلاً للمشاكل العالقة، وهو أقصى ما يمكن أن يتوخاهُ المواطن المخلص والساعي الى خير وطنه، وتقدمه ورفعته وعزّته، مع الإشارة الى أن المذكرة تنطوي على الكثير من القوة والمنعة القائمين على إدراك المخاطر والصعوبات، والسعي لإدارتها بغية تلافيها.
الحضور الكريم

في ضيافة الرابطة المارونية اليوم، سياسيون معنيون وأحزابهم، بهذا الإستحقاق الكبير.
لقد لبّـوا مشكورين دعوة اللجنة الوطنية والسياسية للحديث عن الإستحقاق الرئاسي، والإضاءة عليه من جميع الجوانب والزوايا، ومقاربته بما عهدناه في كل منهم، من إحاطة شاملة، ومن سداد رأي وقوة منطق وروح وطنية، وقد شاركت أحزابهم في الإجتماعات التي عقدت قي بكركي، من أجل وضع آليات العمل والتحرك ، لمواكبة الإنتخابات الرئاسية.
وهنا يسرني الإشارة الى أن منبر الرابطة المارونية سيظل مفتوحاً أمام المرشحين لرئاسة الجمهورية، فالرابطة معنية بديموقراطية المنافسة الحرة، وهو نهج فُطرت عليه منذ نشأتها، وقد مارسته في عملها وإدارتها على كافة المستويات.

وإذ نغتنم هذا اللقاء بالترحيب أولاً بصاحب السيادة المطران بولس مطر ممثلاً غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي وهو صديق الرابطة الذي يواكب نشاطاتها ولا يبخل عليها بالدعم المعنوي، وأصحاب السعادة من نواب ووزراء ونقباء حاليين وسابقين ورؤساء سابقين للرابطة المارونية ورئيس المجلس العام الماروني ، وبهذا الحشد المميز والوجوه البارزة في مجتمعنا، نؤكد عزم الرابطة المارونية على متابعة التحرك بالتنسيق والتعاون مع الصرح البطريركي لدفع كل الأفرقاء في إتجاه احترام الدستور، والتقيد بأحكامه. فرئيس الجمهورية هو رأس البلاد والمؤتمن على سيادتها وإستقلالها ووحدة الشعب والمؤسسات.

وبذلك نكون أوفياء لتضحيات من سبقنا في الدفاع عن هذا الموقع الوحيد الذي يتبوأه مسيحيٌ في هذا الشرق، ما يعزز ركائز الوطن، ليبقى لبنان كما نريده وطناً حصيناً حضارياً معافى، وفياً لتضحيات من ناضلوا واستشهدوا دفاعاً عن ديموميته وصون إرثه الحضاري الذي تهادى إلينا عبر التاريخ.

أهلاً بكم في هذه الندوة، يديرها عضو المجلس التنفيذي مقرر لجنة الإعلام الصديق انطوان قسطنطين، بعمقه الفكري، واتساع معرفته.

ولكم الشكر