دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري

دولة رئيس مجلس الوزراء الاستاذ تمام سلام (ممثلين بسعادة النائب نعمة الله أبي نصر)

صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي ممثلاً بسيادة المطران بولس مطر

أصحاب الدولة والمعالي والسعادة والسيادة

الحضور الكريم

 

عندما تلملم السنابل وتجمع، ثم تنتقل الى البيادر. عندما يقطف الثمر والزهر وينحبس تراب الحقل ويجفّ، عندما يصوح الصيف ويصّفر أول الشتاء، تسقط عن الفراشات في الضؤ،  ألوانها وتموت.

عاش في الضؤ نيفٍ وثمانين، وما خرج من دائرة الضؤ. هو اطفأها بشفتيه الراقدتين على لفافة ورحل.

صورة لا تغيب، جبهة تشع ضوءاً، قامة مندفعة، عينان تعسلان وتزأران، لفافة في الريح، شعر يجمع بين مفرق الشاعر وغرّة الثائر، ينفلش في العاصفة فتذّريه ولا خشية، لأن الرياح من عنصر المتمردين.

هناك أيها الاخوة والأخوات، أناس يخرجون من الزمن ليعيشوا في صدور أهله، وهناك أناس كلما تباعد غيابهم، ألفيتهم يسهمون في إعلاء البناء. هولاء يكملون بصمتهم ما بدأوا بفعله ليبقى البناء عملاً موصولاً.

مثل هؤلاء أي خلط أن يقال أنهم رحلوا

وأي خلط أن يقال أنهم نزلاء الصقيع وحبساء الاكفان.هكذا يخرج السعاة الكبار من الدنيا وزادهم في صدورهم، وهو ترجيع حناجرهم وجمع أيديهم، وحقائبهم أبداً مهيئةً للسفر. وهم الحنطة والبذار لمن يغشون من بعدهم الساح، فلا تبور الحقول ولا تقفر البيادر ولا تخلو الدنيا من نظام المناوبة، في تدبير لدورة الحياة وحاجات أهل الارض.

 

ارنست كرم الانسان، ما ادرك الوهن يوماً صوته، ولا نخر السوس عوده، فهو واحد ممن خرجوا من الزمن على غير ارادة اهل الزمن، فإذا بجذور الكرم تذهب أعمق في الارض، أرض حدثه، أرض لبنان، وإذا بالارض تتشقق عبر رؤوس ومناقير، تنشد أناشيد الصمت الكبير.

شاباً، تسلّق سلّم الريادة والكفاءة، دون أن تزّل به القدم. ما أوهنه صعود، ما استهوى التطلع من شاهق، ولا غرّه التربع في سدة، فلا تربع ولا سدرة ولا استراحة في نقطة، حولها شيئ يمشي ويدور.

طيلة العمر، رجّح ارنست كرم كفة الانسان وآثرها على أي قيمة أخرى أو رمز آخر، ولم يتردد لحظة في الانحياز الى حرية الانسان في لبنان، فكان صراعه مع أعداء الحرية، وتوقه الى العلم في صدّ هيمنة الشعارات.

رأى الوطن مودات، وشراكة احلام، فأخذ بفصول Mauriac.وانتمى إليه، وغلّب الرأي على الهوى، وما أهدت له نفسه شهوة الى سلطة، وما اطمأن، الفكر منه الى جهالة أو قبح.

ذهب الى السياسة ثقافة، بأن لا سياسة حيث لا تنتهي اليها أسس الروح، وأن الفكر السياسي لا يمكن أن ينضب عند المتنورين.

مع ارنست كرم نذكر رجلاً عجزت كل البراكين عن إطفاء بركانه الوطني، فبقيى وفياً وفياً لثورته، ما خمد أواره ولا سكن لهبه، ولا صدم في كل ما التزمه وآمن به، من كفر بمظاهر، وتعلق بجوهر، وتعشق للحرية من غير حدود.

ويحدوني على ما أسوق في ذكراه، قبسٌ لا أزال أراه من سيرة رجل صار الى قدوة، رجوت أن تصبح قاعدة ومرساة لنهوض بلد بعد انكسار، بدءاً بنهوض انسانه، مروراً بمؤسساته وبنيانه، وانتهاءً بنهوض أرضه والكيان.

وببساطة أقول لجيل لم يعرف هذا الراحل الكبير، إن الذي يصنع الرجال الرواد، إنما يصنع الاوطان العظيمة، وهذه لا تصنع بغير الطموح والاجتهاد، بغير المثابرة والاعتدال، بغير الصدق، والتجرد… وبشحنه كبيره من حلم المتنورين.

وبالبساطة نفسها أقول: ما أتيح لارنست كرم في زمن دخوله الحياة السياسية، أن يعمل إلا من ضمن الميثاق والصيغة. ومن ضمن فريق لا تحفزه عقلية انقلابية واحدة على الماضي… فأكد سعيه التقويمي في إطاره الشخصي فكانت النتائج دون صفاء بعض النيات وزخمها… حتى إذا ما شاخ زمنه، احتفظ هو بشباب أعماله، وكأنه الطائر الذي غرّد خارج سربه.

ولا يمكننا أن نتحدث عن هذا الرجل الامثولة، دون أن نربط بين هذه الجوانب من حياته السياسية الوطنية، وبين ذلك النضال الحافل بالمآثر والاعتدال الذي رافق حياته، حتى غدا مثالاً للأبوة اللبنانية الصافية لمواثيقه.

أما كلمته، فلها ألف عين وألف اذن، هي مسؤولة دالة، مدلية، مكثفة، صارمة في مواضعها، يستلّها من عصبه، ثم يوقعها على نبضه، أداة هدى للحياة، فهي مشبعة بالحس، بل أنها اللقيا المخضبة بالنور، حتى لتكاد تلخص ارنست كرم في لحظات عنفوانه.

كل ذلك على أصالة من منبتها التراثي وكرم المحتد وهذا ما يفسر حضورها الصاعق، كما لو كانت من رسالة المنبر في الصميم.

وللكلمة عنده حجة قائمة، سواء بالاستنباط العقلي أم بالاستبحار العلمي أم بنور القلب، على جدل قلما أسلس قياده، كما على يد أهل القانون، وكأن الامر قد سوّي في أيديهم، كما سوّي نظام الأضواء والظلمات ونظام الاشياء والطبيعة والساعات.

وكان يقول بأن تنوع الاحداث بالتآلف يفسد النغم والحجة، وأن وهي الفكر ووهن الحجة كفيلان بتأسيس المعضلة، وأن اللحمة لا تغني عن طول النفس في مدارج المعالجة، وإن الهوى يبعد الموضوع عن محوره ويفسد العقل سكينة التأهل والسداد.

هذا المنطق وهذا المسار طبعا كل حياته، ويوم التهبت العقول والقلوب واضطربت الافكار وزاغت الابصار، ظلّ رئيس الرابطة المارونية بارد العقل، هادىء الفكر، ثابت البصر، نافذ البصيرة، مالك الحكمة، ثابت الجنان، عميق الايمان.

تولى قيادتها بهمّة وجدارة طيلة ست سنوات وفي داخله همٌّ وحيد، يتمحور حول كيفية تدعيم الوحدة المارونية المسيحية، وإعادة نسج التعايش المسيحي الإسلامي في آن.

لقد آمن أن المسيحيين في هذا الشرق هم ملحه وروحه وصلاحه، وإن المسلمين إخوة كرماء شركاء أصلاً في السراء والضراء… وإن على الرابطة المارونية التي أحبها كالابن المدلل، واجب المحافظة على المبادىء والمسلمات التي قام عليها الوطن.

لقد عرف الراحل كيف يتألم من أجل دينه ودنياه، فهو تائق أبداً الى الوجه  الغائب من الاشياء، يلح في التذكير حتى يضعك تحت وطأة الندم على الزمن الهارب… وهو يقول أني سعيت وحفظت الايمان.

 

أيها الحضور الكريم،

أي مجتهد وساع كان هذا الرجل، وأي ثراء ثراؤه وكيف كان يتصل بالناس، وفي أي هجعة من الليل وبأي وثبة من العمر المديد.

زارع عملاق بسط كفيه فوق سهل، ينثر الحب بسرعة ورشاقة، ثم أجرى السقيا برجاء القلب ونور العين… فاشتعل الزرع نماء.

ارنست بك كرم مات كما أراد، مات في راحتي ميزان ما استلهم غير السما.

مات في لبنان، في حب لبنان، في حب الوطن، في شلح أرزة، في ترابه تقدّس، في مصير يزاد عنه في مشارف تشرع لها آفاق الحق.

 

أخي ارنست،

ننحي اليوم أمام ذكراك الاولى، كما تنحني خفراً سنابل القمح الملأى… نحن سنابل صيفك التي امتصت خصب شتائك، وها زرعك اليوم في نماء.

لقد متّ في القمة، ما هم، الموت في القمة عزّ الاموات وصبوة الاحياء.

يبقى أن أذكر عندك الوفاء، للمبادئ والأصدقاء فأستعير أبياتاً نظمها أمين نخلة تقديراً وفاء للشاعر الفرنسي شارل بودلير:

برّدَ الفيءُّ المندّى شفتيك

ولوى بالرفق واللين عليك

متّ مشتاقاً حبيباً ساهداً

فأرح صدرك واملأ مقلتيك

انطرِ الدنيا تجدها أقبلت

تتمنى نغمة من جانبيك

ليت شعري أيُّ خزيٍّ يعتري

شعراء الارض إن قاموا لديك

أنا لو بُلّغت، جئت القبر في

حُرمة الموت وقبلّتُ يديك

 

 

مدرسة الحكمة 15/5/2015

رئيس الرابطة المارونية

النقيب سمير أبي اللمع