صاحب السيادة النائب البطريركي العام المطران سمير مظلوم ممثلاً غبطة البطريرك نيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الكلي الطوبى
أصحاب الدولة والمعالي والسعادة والسيادة،
الحضور الكريم،
إن من يتطلع إلى هذا الحضور المميز وإلى هذا المستوى الرفيع من السادة المنتدين، يشعر بغبطة وارتياح كبيرين. فعندما تلتقي كبريات الأحزاب والتيارات اللبنانية حول موضوع أو فكرة أو نقاش أو رؤية، وعندما تشارك في الحوار والإضاءة حول أمور ترتدي الطابع الوطني، يرتاح المواطن إلى مثل هذه اللقاءات ويأنس بها، بل يستسيغ حصولها باستمرار… فشعب لبنان، يتعدد، يتنوع، يختلف، يتصارع، ولكنه يبقى نموذجاً حياً في السعي إلى المعرفة والإنفتاح والإقتباس.
أيها الحضور الكريم،
قالوا: ما أسعد الأمم التي لا تاريخ لها، فإنها لا تتحمل أوزار التاريخ.
أما نحن فنقول مع جبران: الويل للأمم التي لا تاريخ لها، أو الويل للتي تنسى تاريخها أو تجهله أو تتجاهله، فلا تأخذ منه عبرة أو قدوة أو أمجاداّ تسترشدها، أو رادعاَ تستنير به ليدفعها قدماً الى معارج المكارم العظام.
تاريخ لبنان القديم والحديث، وإن عرف بعض محطات مضيئة، فقد ساده السواد لحقبات، وأثقلته المصائب والرزايا، لتنوع الأطماع فيه، داخلياً وخارجياً، ولاستكانة بعضِ أهل الحكم لمناخ من التقاعس عن المحاسبة وعدم السعي للتحديث والتحسين… فشهدنا تحول لبنان سياسياً وأمنياً واجتماعياً وبيئياً وتجهيزياً، على مستوى الاختلاط بين المواطنين، من فسحات الأمل والتفاؤل القصيرة، إلى موقع الصراع السياسي الحاد في ظل تعاقب سلطات جلها غير قادرة أو مدركة لحجم الأخطار التي يمكن أن تهدد الأمن والإنسان.
نحن اليوم على عتبة مئوية إعلان قيام دولة لبنان الكبير، والحكم المتعاقب لم يفلح في بناء الشراكة الوطنية في دولة راعية لكل أبنائها، وقد فشل في زرع حس المواطنة الصحيحة في قناعاتهم ووجدناهم.
هذه الدولة تواجه اليوم، في مطلع الألفية الثالثة، أوضاعاّ متردية في الداخل وفراغاً في أعلى السلطات، وتدهوراً إقتصادياً ينذر بشر العواقب. وفي المحيط نشهد مآسي شرقَ أوسط منقسم على ذاته، تتحكم به موجات عنف وصراعاتٍ مذهبية وعرقية، تدفعه إلى مجاهل ظلامية، بعد أن كان مهد التسامح والإنبعاث الثقافي للحضارتين المسيحية والإسلامية، وما ترمزُ إليهما من قيم سامية.
أيها الحضور الكريم،
لقد أضحى اليومَ، من غير الجائز ولا المقبول عند اللبنانيين جميعاً انتظار فرقاء آخرين، بل غرباء عنهم، رسم الآفاق السياسية والديموغرافية للبنان، لفترات آتية من السنين… ومن غير الجائز تفويضَ كائن من كائن، أن ينوب عنا في تقرير مصيرنا.
ومن غير الممكن الانتظار، حتى يرتسم أمامنا شرق أوسط جديد، على حساب وطن اسمه لبنان، في غياب أبنائه الذين لا تعوزهم روحُ المبادرة إذا شاؤوا وصمموا في الحفاظ عليه واحداً موحداً قوياً معافى.
وأنه لا شك أن الآتي من الأيام، سيفرز معطيات جديدة في المحيط. وإذا كان لا يمكن للديموغرافيا أن تتطور بالسرعة عينها لتطور التحولات السياسية، فسوف تنشأ توازنات جديدة، وهذا ما نخشاه، على حساب توازناتنا الحالية، تتناسب مع ما تسعى إليه القوى الخارجية، تبعاً لمصالحها.
ولأن العالم ما زال يتطلع اليوم إلى لبنان، كأرض لجوء وواحة كبيرة لحرية المعتقد، هذه الحرية التي تستتبع حريات أخرى، كحرية التعبير وحرية الصحافة وحقوق المرأة، وكذلك حرية اعتماد نظام إقتصادي حر متزن، فعلى أبنائه الثبات في صون المسلمات التي يقوم عليها الوطن، من دون الوقوع في الإحباط والانهزام بفعل الخوف. فالخوف هو العدو الذي يجب مقاومته، كما يجب عدمُ الركون لقدرية تُسرّعُ الخطى نحو تهجير مسيحي يمارس في مصر والعراق وسوريا وفلسطين، وصراع أخوي سني شيعي دموي، سيؤدي إذا ما استمر لا سمح الله الى إندثار حضارة طبعت منذ القدم، هذا العالم الجميل.
علينا الآن وليس غداً، أن نمضي متحدين مسيحيين ومسلمين، أحزاباً وقوى مدنية فاعلة، في مواجهة الطامعين بأرضنا وقيمنا والتراث، ففي الاتحاد تتعاظم القوة، وليس من السذاجة اعتبار ذلك غير ممكن اليوم، وإنه يقتضي التذكير به لمجرد التذكير، بل لأنه أولاً وأخيراً شرط مسبق لكل انطلاقة، وإلا فإن انقسامنا سيلحق بنا خسارة فادحة لموقع مستهدف معتل، وقد أصابه الوهن.
ويسأل جيل خائب، ومن حقه أن يسأل: كيف يكون كل ذلك، وقد أبصر هذا الجيل النور في خضم حرب قاتلة بين أشقاء، وتربى في وسط تقاطع مخيف للمصالح، بين غياب لأي إصلاح، وفي جو فساد ومنافع مادية بائسة، في بيئة لا يخلو بعضها من التعصب والجهالة والإذلال المهين أمام أبواب السفارات، سعياً وراء سفر بعيد عن الوطن، عن لبنان، الذي أصبح للكثيرين من أهله عبءاً ثقيلاً، بل هوية قاتلة، مع بعض نوستالجيا أليمة، لحقبات حلوة، نعمنا بها وانقضت.
نجيب على تساؤلات أبنائنا، إننا ما زلنا نؤمن بالشراكة الوطنية وبشركة العيش بين اللبنانيين، كما نؤمن بقيامة كبيرة للبنان، إن تصارحنا في ما بيننا حول المعوقات التي تحول دون تحقيق هذه القيامة عبر مقومات جلية مضيئة من تاريخنا الحضاري المشترك.
وهنا نقولها بصراحة، إن الخلاف السياسي الإجتماعي الذي بلغ اليوم حد الإنفجار في لبنان، ليس فقط خلافاً على طريقة الحكم ونوعيته كما يُظنّ، بل هو أيضاً خلاف على نوعية الحياة المشتركة بين أبنائه، التي يجب أن تبقى بعيدة عن أجواء الطائفية والمكاسب والغنائم.
إن جميع مشاريع الإنتصارات والهيمنة سقطت عبر التاريخ اللبناني والعربي القديم والحديث. سقطت مع السنة إبان العصور الأموية والعباسية والمملوكية، سقطت مع الشيعة أيام الفاطميين، سقطت مع الدروز زمن الامارة، كما سقطت أخيراً مع الموارنة في دولة لبنان الكبير.
واللافت في هذا الاطار أمران: الأمر الأول، إن الانتصار من أي فئة على فئة وطنية أخرى، يشكل نقطة ضعف للفريق الذي يمارسه، وهو يصبح مصدر خطر على الوطن كلّه. والامر الثاني هو أنه عند الانتصار، لا ينتقل الربح إلى الفريق اللبناني المنتصر، بل الى تدخل خارجي جديد.
أيها الحضور الكريم،
أن هذا الزمن، وفي ظل ما يجري حولنا، وما يُقرّر في الخارج، هو زمن تقرير المصير، لا التسويات المؤقتة.
وإذا كانت الحلول الجذرية مستحيلة في لبنان، لأنها تؤدي إلى غالب ومغلوب، فإن الاتفاق الشفاف ممكن بين مكونات المجتمع اللبناني، بل ضروري للحؤول دون بلوغ الأزمات، مرحلة الصراع العنفي الذي يطال النظام والكيان.
نحن اليوم، ومن دون المس بروح الميثاق والصيغة والطائف، لا بد للمتنورين اللبنانيين من أحزاب وطوائف وقوى مجتمع مدني، أن يستنبطوا ملحقاً تاريخياً يعطي لصيغة العيش المشترك بعداً مدنياً يقوم على الولاء للوطن وحده، ولصيغة الوحدة الوطنية، مساحة لامركزية موسعة، تنمي المناطق جميعاً بالتساوي، ولصيغة التعددية الحضارية أفقاً توافقياً. لقد أنهكت السياسة الطوائف، بقدر ما أنهكت الطوائف السياسة، وسجنت المركزية الوحدة، وأساء العدد الى التعددية.
أيها الحضور الكريم،
وفي هذا السياق، تثمن الرابطة المارونية عالياً المواقف الشجاعة الصادرة عن المجمع البطريركي العام والإرشادات الرسولية المتكررة والقيم الروحية المسيحية الإسلامية، القائلة بأن حواراً بلا شروط مسبقة بين جميع الأفرقاء السياسيين، يمكن أن يفتح نافذة في جدار وطن مهدد بالفراغ من الداخل والنيل من الخارج. وأنه لا تُعاش الحياة الوطنية في بلد من دون شركة العيش المقرونة بالمحبة.
فمن عامية أنطلياس، إلى الميثاق الوطني، الى الصيغة اللبنانية، إلى الطائف، تعاهد المسيحيون والمسلمون المشاركة في الحكم والإدارة في إطار تنفيذ مضمون الصيغة ومن خلال الشراكة الوطنية القائمة على التوازن والكفاءة بكل أبعادها، تأميناً لمزيد من الاستقرار في الكيان، وتحقيقاً للديمقراطية وإزدهاراً للإقتصاد.
من أجل كل ذلك ينبغي تعزيز روح الإنتماء الى الدولة قبل الانتماء الى أي طائفة أو حزب او جماعة، بل جعل الارتباط بهذه المكونات سبيلاً للإنتماء الى الدولة.
فالإنتماء وعي وإلتزام، أما الوعي فهو تأمين المكانة والدور لكل مواطن ومجموعة، بحيث يوظّف المواطن ما لديه من قدرات في سبيل قيام الدولة المدنية وتطويرها… أما الالتزام، فهو في تنشئة المواطن على هذا الوعي من خلال تربية تبدأ في العائلة وتكتمل في المدرسة والجامعة وتتواصل عبر وسائل الإعلام بكل قطاعاته وتقنياته، وتنضج في الحياة الاجتماعية، وتترسخ في نوعية الأداء في الإدارات العامة وفي ممارسة السلطة الى المسار الصحيح لاستكمال الدولة المدنية التي نتمنى.
كما يحتاج لبنان الى إعادة تحديد مسار كل طائفة بعلاقتها مع الدولة ومع الطوائف الأخرى، والعمل على بناء دولة قوية تفرض القانون وتحمي المواطن وتحرر الأرض، وتحافظ على الكيانات المتنوعة التي تؤلف النسيج الوطني اللبناني.
يحتاج لبنان الى رجالات دولة ليعملوا معاً في خدمة الدولة والخير العام وخير جميع المواطنين.
إن أول ما يطلب من الطوائف والدولة في آن: القبول بحيادية الدولة تجاهها واحترامها، وعدم السعي لسيطرة إحداها عليها، ومن الدولة القبول بخصوصيات الطوائف وبمجالها الحيوي التاريخي والجغرافي والثقافي، والاستفادة من القيمة المضافة التي تشكلها كل جماعة.
بهذه يخرج لبنان من هوية “الساحة” الى هوية “الدور” في العالم العربي وآفاق الانتشار، فيتحرر من عقد ثنائية النور والظلمة، الخير والشر، الحق والباطل، المحروم والمتسلط، المركز والأطراف… التحدي اليوم أن ينطلق الانسان اللبناني من العيش المشترك لكي يبني مع الأيام إنسانيته الأرقى.
لبنان يجب أن يبقى في محيطه العربي رأس الثقافة الوسط بين السماء والأرض، بين الشرق والغرب، بين الشمال والجنوب، بين الماضي والآتي، بين التاريخ والجغرافيا، بين الصحراء والبحر.
فعسى هذه الندوة التي تطل اليوم على العديد من القضايا التي تعني اللبنانيين جميعا،ً أن تُوفق في الاضاءة على الزوايا المتصلة بصميم التركيبة اللبانية وكيفية العمل على تحديثها مستشرفة غداً أكثر إشراقاً ينسجم مع التحديات المعاصرة، ويحصن الثوابت الميثاقية.
شكراً لحضوركم الكريم، وأهلاً وسهلاً بكم وبممثّلي الأحزاب اللبنانية والمقامات السياسية والنقابية ورجال الصحافة والإعلام، وأخصّ بالذكر تشرّفنا بحضور سيادة المطران سمير مظلوم النائب البطريركي العام، ممثلاً صاحب الغبطة والنيافة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الذي نوجه له من هذا المنبر ومن هذا اللقاء أسمى آيات التقدير والإحترام لما يقوم به من أجل لبنان وعزة بنيه.
وإلى اللقاء في ندوات أخرى، لنواصل طرح الموضوعات الإشكالية التي يعاني منها لبنان، في سياق حرص الرابطة المارونية ومجلسها التنفيذي على استمرار إحياء ثقافة الحوار في سبيل لبنان القوي المعافى.
فلنعمل من أجل الحقيقة ولبنان… فما أهنأنا عندها في خلود الحقيقتين.

عشتم وعاشت الرابطة المارونية وعاش لبنان

رئيس الرابطة المارونية
النقيب سمير أبي اللمع