سيادة المطران بولس مطر السامي الإحترام
أصحاب المعالي والسعادة والسيادة
سيداتي سادتي

هاءنذا أمام أوراق، أتاحت لي اقتناص لحظات تشابك فيها الشوق الى الاكتشاف مع متعة تذوّق السرد المنمق.
ويتأجج الشوق فيك وتتضاعف اللذة في القراءة، حين يكون الموضوع بعضاً منك أو تكون بعضاً منه، فستبين لك الاحداث على أنها من لحمك ودمك، من جوارحك وروحك، امتداداً لتراث خلفّه نساك ورهبان وقادة بذلوا في سبيله الغالي والأغلى، العالي والاعلى من قيم الفكر والجمال والايمان والحق والرجاء.
خلت نفسي وأنا أقرأ الكتاب أنني أتنقل بين الصوامع والاديرة، ألج العتبات المبرية، أتصفح كتب الصلوات العتيقة، متنشقاً طيب أوراقها المضخمة بآثار زيتها الاسود.
وتخيلتني أصغي الى صلوات رهبان مارون، يتلون أعمال الرسل في تقليد نسكي رائع.
ولا عجب أن تستغرق النفس في هذا الطواف، وأنا ابن الجبل المسيحي الدرزي المسلم، الذي تميزت قممه بقباب الهياكل، وأوديته بمحابسها وصوامعها، وكاد يمتزج تاريخ لبنان الوطني بتاريخها الديني.
الكتاب بدراساته ومقالاته وبحوثه المعمقة، واقع وتطلعات.
وعندما نقول تطلعات، ندخل حرم الغيب ونتصدى للمستقبل، هذا المستقبل الذي شاء الكاتب أن يحاول ترويضه وأن يضبط تفلته، فأدخله في إطار البحوث والتدقيق.
فقدس الأباتي بولس نعمان، عرك الحياة وخبر الناس وطاف في كل أرض وطئها لبناني وماروني، وتعمق في التاريخ صغيره وكبيره، وتنقل بين خزائن المعرفة يلتهم مكوّنها، وما أغلق كتاباً … فإذا ثقافته ثقافة حياة وإنسان ورجاء وتعبد…
هكذا عرفنا قدس الأباتي في مستهل الشباب، وهكذا نعرفك على المقلب الاخر من العمر، تعظ وتبشر وتذكر، تعظ بالخير، وتبشر بفرح الملكوت، وتذكر المعمدين بماء العماد والمثبتين بزيت التثبيت.
وثق يا أبتي، أن لا شيء يسكتني عن قول المحبة والحقيقة فيك، سوى خوفي عليك من لساني، فتحسب أن ما أذيعه يضيع عليك أجراً أو تحمرّ منك عين الله.
لا والله ما جئت لأضيّع عليك الاجر، بل لأكسب لنفسي الاجر في قول الحق.

لبنان الموارنة الى أين؟
هي انطلاقة من منهجية تاريخية لا تجافي علم التاريخ ومصطلحه… عودة الى المعرّف في طبقات الماضي، تطواف في مدائن الحضارات، مغامرة في اقتحام موضوع، أهرق في سبيله حبر كثير، إيمان بالارض لا اعتبارها حجراً جامداً وتراباً راكداً، بل لأنها اضمامتان متحدتان من جغرافيا الجمال وتاريخ الرجال.
خلاصات وخصائل عن أجدادنا في الجبل لا تتبجح ولا تؤذي، هوية ذات مداميك ركزت على كونية الموارنة والدروز الذين لم يكن منعزلهم الجبلي الصخري إلا شرفة أطلوا من خلالها على الافاق والرحبات والحضارات.
نعم الموارنة في كتابك وفي الحقيقة رواد الحداثة في هذا الشرق، فلاسفة العروبة ودعاتها، حاملو معنى الخيار الانساني لا القدرية، المؤمنون بقدرة الفرد على الخلق والابداع والنهوض.
نعم هم ظاهرة فريدة في نزعتهم الاستقلالية وتوقهم الى الحرية، واندفاعهم نحو الشهادة من أجلها يتجسد فيهم قول بولس الرسول “مشيئة الله أن تكونوا أحراراً وأن تبقوا دوماً أحراراً ” وقول المسيح من قبل :”وان حرركم الابن صرتم أحراراً حقاً”.
المارونية هي عندك فريدة في الانسجام السري بين التاريخ والجغرافيا، بين الروح والجسد، بين الروح المارونية وجسد جبل لبنان، وهي إعجوبة لبنان الحديث، وهي كما تقول أنبتت المثلث الحق: الكنيسة والبيت والطبيعة، وقد جعلوا من الموارنة شعباً مضخماً بالقيم الانسانية والمسيحية، يتميز بالحق والعطاء والابداع.
المارونية بمفهومك ظاهرة فريدة في تجسدها وجوهرها المسيحي في واقع الروحانية والقداسة، فهي لا تزال تعطي القديسين والقديسات والطوباويين والمكرمين للمشرق العربي وللعالم وفي هذه الازمنة بالذات، أزمنة الخواء الداخلي، والقحط الاخلاقي والتصحر الروحي، ما زال الموارنة غارقون في شمولية الكثلكة، شرقيون وغربيون في آن، من انطاكية وروما هم.

وهم رغم تقلبات الازمنة التي مرت عليهم منذ حوالي 1600 سنة لا يزال الموارنة يعملون في لبنان على قيام التوازن في المعادلة التاريخية الثلاث: الماضي والحاضر والمستقبل، في داخل ذاتهم وكيانهم في محيطهم وفي انتشارهم الواسع في العالم.

لبنان الموارنة الى أين؟
لأنه الوطن الذي حمله قدس الأباتي في قلبه وعقله عقوداً من الزمن، يراه اليوم يتعثر ويوشك على الانهيار، فكيف لا يطلق صرخة ولا يحزن ويضطرب، وهو الذي كان يأمل أن يواكبه في مطلع الواحد والعشرين ليحيا عرسه المتوقد بدل أن يتلمس آلامه وعثراته ويعاين الجلجلة التي يرزح تحتها الشعب اللبناني بكامله.
ويقول نحن اليوم معاً، نعبر زمناً ضبابياً جديداً مكللاً بالالم والشهادة والخوف، وفي قلب العاصفة الهوجاء، نفتقد لشاطىء الامان ترسو فيه سفننا وقد أنهكتها الامواج العاتية، وفي لحظات الصمت الثقيل نبحث عبثاً عن قادة يضحون بالنفس من أجل الوطن.
شبابنا يكفرون بكل شيء. أحلامهم بمستقبل زاهر تتبخر في لحظة صيف حار، نظرتهم الى ذاتهم، الى وطنهم، هويتهم، تاريخهم، جغرافيتهم، تراثهم وكل خلايا واقعهم أصابها الجمود وكبلها الذهول.
صحيح يا أبتي، السياسة في وطني ملوثة، والفساد مستشر، والبغضاء تمزق صفوف الناس، وكانت المأساة الكبيرة يوم دبّت الصراعات الدموية بين الموارنة بالذات، فأنهكت الجسم اللبناني بكامله.
وتستطرد قائلاً، المأساة كبيرة ولكن وطني أيضاً هو الكبير،
هو كبير بذاك الموقع الذي احتله في العالم، ثمر نشاط كبار رجالاته وشهدائه.
هو كبير على امتداد مساحة الكرة الارضية، لرفعة الانسانية وتلاقي الشعوب وتحاورها وتعايشها
هو كبير بشخصه …
هكذا أراده البطاركة العظام، كانوا وما يزالون ينشرون رسالة الحوار والتسامح والتلاقي والتنوع في زمن العطش والتصحر وصدام الحضارات، وهكذا يريدون أن نتسلمه منهم، من وحي حكمتهم وتاريخ نضالهم، نواكب المسيرة ونحقق الرؤيا التي رسمها هؤلاء، فنجعل من لبنان منارة للإنسانية في مسيرتها عبر التاريخ.

كتاب الموارنة الى أين؟ يحمل بين حروفه هذه الخزائن من القيم الفريدة التي يقتضي المحافظة عليها، فيحثّ الموارنة بعد صراعاتهم الدامية الى الصحوّ وتوحيد كلمتهم ليقتحموا بانفتاحهم محيطهم الواسع، وليبنوا في ضؤ تاريخهم، مستقبل لبنانهم عبر تطوير مجتمعهم بثوابت وطنية، فيجعلوا منها سلوكاً وطنياً لبنانياً، وطن الانسان ودولة الحق والحرية والديموقراطية الحقّة.
وكأنه يدعو في آخر الأوراق الى إنتفاضة إسلامية تنطلق من لبنان، انتفاضة العقلاء والمتنورين للحدّ من بعض الحالات الشاذة التي أدت الى هجرة المسيحيين من هذا الشرق، وهو على يقين أن مسلميّ لبنان يرفضون قطعاً مغادرة جيرانهم وأشقائهم وأبناء وطنهم، هذه البلاد على أساس إنتمائهم الديني.
وكأنه يقول، كم نحن بحاجة اليوم في عالمنا العربي الى أمثال جمال الدين الأغفاني والامام الاوزاعي ومحمد عبدو.

ويستشهد بقول الإمام الصدر: “فليكن لبنان القيمة النموذجية للتعايش والتعارف والانسجام والتعاضد، وليكن النموذج التي دعت اليه أوروبا الكاثوليكية… علينا أن ندافع عن نموذج يضمن التعايش بين الرجال والنساء من أديان وأصول مختلفة، وأن نعمل لازدهار هذا النموذج، فلبنان رسالة فريدة في الشرق الاوسط وحوض البحر المتوسط”.

كما يستشهد بقول الإمام محمد مهدي شمس الدين “إن لبنان هو وطن نهائي لجميع أبنائه، … إن هذا المبدأ وضع ليس فقط إستجابة أو ترضية للمسيحيين، بل كان ضرورة للاجتماع اللبناني، ولبقاء كيان لبنان، ليس لمصلحة لبنان وشعبه فقط، إنما لمصلحة العالم العربي، وحتى لمصلحة جوانب كثيرة من العالم الإسلامي”.

وتتجلى في آخر الاوراق النفحة الدينية اللاهوتية للكاتب، بإشارته إلى قول المفكر الروسي Vladimir Soloviev: التاريخ في أبعاده التاريخية ديني، والعناية الالهية تهزأ من مخططاتنا وتصوبها نحو كمال خطّها، لأن فكرة مصير الامة ليست فيما تسعى اليه في الزمن بل ما أُعدَّ له منذ الازل، لأن الله كما يقول الكتاب المقدس يخلق من الحجارة من يكمل مخططه.

بهذه الإشارة يهزنا الراهب هزة شعاعية، نورانية طويلة الفعل، كأنه يقول:
“إذا كان عرض الحياة بيدنا، فطولها بيد الله”.
لقد وسع قدس الأبتي بولس نعمان عرض بساطه ما أوتيت يداه، فبنى حججه في هذا الكتاب من حجارة الأرض وشدها إلى السماء… كأنه إهتدى إلى سلّم يعقوب، خطوة في الأرض وخطوتان في السماء.

والسلام.