لقد أضحت الأوضاع الأمنية والسياسية والإقتصادية المتردية التي يعيشها لبنان اليوم، تدعو إلى مزيد من القلق والحذر، وتنذر بأخطار قد تطال الهوية والكيان.
نحن اليوم على عتبة مئوية اعلان قيام دولة لبنان الكبير، والحكم المتعاقب لم يفلح في بناء الدولة اللبنانية الراعية لكل أبنائها، وقد فشل في زرع حسّ المواطنة الصحيح في قناعاتهم ووجدانهم.
هذه الدولة، تواجه اليوم في مطلع الالفية الثالثة مآسي شرق أوسط منقسماً على ذاته، تتحكم به موجات عنف وصراعات مذهبية وعرقية، تدفع به الى مجاهل الظلامية، بعد أن كان مهد التسامح والانبعاث الثقافي للحضارتين المسيحية والإسلامية وما ترمز إليهما من قيّم سامية.
فإزاء الوضع المتردي في الداخل، والأخطار المحدقة بالوطن من الخارج، ترى الرابطة المارونية من واجبها، بحكم هويتها الوطنية الشاملة ودورها ورسالتها ونخبة المنتمين إلى صفوفها، أن تتوجه إلى الرأي العام اللبناني بهذا الكتاب المفتوح.
لقد أضحى من غير الجائز ولا المقبول عند اللبنانيين جميعاً، انتظار فرقاء آخرين، بل غرباء عنهم، رسم الآفاق السياسية والديموغرافية للبنان، لعشرات آتية من السنين.
ومن غير الجائز تفويض كائن من كان، أن ينوب عنا في تقرير مصيرنا.
ومن غير الممكن الانتظار، حتى يرتسم أمامنا، شرق أوسط جديداً، على حساب وطنٍ إسمه لبنان، في غياب أبنائه الذين لا تعوزهم روح المبادرة إذا شاؤوا، ويتعيّن على هؤلاء رفع الصوت رفضاً للانخراط في محاور خارجية مدمرة لوطنهم وعيشهم الواحد.
من هنا نريد حكماً ديموقراطياً متنوّراً صالحاً، يدعمه جيشٌ قويٌ مدرّبٌ مجهزٌ بأحدث الاسلحة، يشكلّ نواةٌ صلبة لجمهورية متكاملة متناسقة السلطات، موفورة الجانب ثابتة الحضور.

لا شك في أن الآتي من الايام، سيفرز معطيات جديدة لوطن جديد. وإذا كان لا يمكن للديموغرافيا أن تتطور بالسرعة عينها لتطور التحولات السياسية، فسوف تنشأ توازنات جديدة، وهذا ما نخشاه، على حساب توازناتنا الحالية، تتناسب مع ما تقرره القوى الخارجية تبعاً لمصالحها.
وإذا كان من المتاح للمتنورين في لبنان، المطالبة أيضاً وأبداً، بحقوق أي شعب في تحرير أرضه أو الإنتماء الى نظام ديمقراطي متطور، فذاك لأن قواهم الخاصة وإنتماءهم الفكري ونضالهم المستمر من أجل الحرية، تؤهلهم المطالبة بهذا الحق.
إن العالم يتطلع اليوم الى لبنان كأرض لجوءٍ وواحةٍ كبيرة لحرية المعتقد، هذه الحرية التي تستتبع حريات أخرى، كحرية التعبير وحرية الصحافة وحقوق المرأة، وكذلك حرية اعتماد نظام اقتصاديٍّ حرّ متزّن، لأن لأبنائه القدرة على الثبات في صون المسلمات التي يقوم عليها وطنهم، من دون الوقوع في الاحباط والانهزام بفعل الخوف. فالخوف هو العدو الذي تستوجب مقاومته. ويجب عدم الركون لقدرية، تسرّع الخطى نحو تهجير مسيحيّ يمارس في مصر والعراق وسوريا وفلسطين، وصراع أخوي سنّي شيعي دمويّ، سيؤدي إذا ما استمر الى اندثار حضارة طبعت منذ القدم منطقة الشرق الاوسط.
علينا الآن وليس غداً، أن نمضي متحدّين مسيحيين ومسلمين في مواجهة الطامعين بأرضنا وقيمنا والتراث، ففي الاتحاد تتعاظم القوة، وليس من السذاجة اعتبار أن ذلك غير ممكن اليوم، وأنه يقتضي التذكير به لمجرد التذكير، بل لأنه أولاً وأخيراً ، شرط مسبق لكل انطلاقة، وإلاّ فأن انقسامنا سيُلحق بنا خسارة فادحة، لموقع مستهدف معتّل، وقد أصابه الوهن.
من أجل ذلك، أضحى ملحاً قيام مجلس فكرٍ إسلامي مسيحي يدعو الى حوار إسلامي مسيحي في مصر والعراق وسوريا وفلسطين ولبنان، مدعوماً بتحرّك شامل من المتنورين المثقفين، يشكلّ تجسيداً حيّـاً لتلاقي الحضارات والاديان في هذه البقعة من العالم، وهو أحد أهم الاهداف التي تسعى اليها الرابطة المارونية منذ نشوئها.

إن مشكلة العالم العربي اليوم، هي مشكلة حضارية في المقام الاول، فالعلاج يبدأ بالإصلاح الفكري والتعليمي للمجتمع من أسفل كما كان يقول الامام محمد عبدو، لأنه يفضي حتماً الى فهم الدين محبةً وسلاماً، وهو السلاح الامضى في محاربة الفكر التكفيري المستجد قبل محاربة التكفيريين.
ويسأل جيل خائب، ومن حقه أن يسأل: كيف يكون كل ذلك وقد أبصر هذ الجيل النور في خضّم حرب قاتلة بين أشقاء، وترّبى وسط تقاطع مخيف للمصالح، بين غياب لأي إصلاح، وفي جو فسادٍ، ومنافع مادية بائسة، في بيئة لا تخلو من التعصّب والجهالة، والاذلال المهين أمام أبواب السفارات، سعياً وراء سفر بعيد عن لبنان، لبنان الذي أصبح للكثير من أهله عبئاً ثقيلاً، بل هوية قاتلة، مع بعض نوستالجيا أليمة، لحقبات حلوة، نعمنا بها وانقضت.
نجيب على تساؤلات أبنائنا، إننا لا نزال نؤمن بقيامة أكيدة للبنان في إطار نظام مدني متنوّر، يستمد مقوماته من محطات مضيئة في تاريخنا الحضاري المشترك.
من أجل هؤلاء، ومن أجل من سيأتي من بعدهم، وهم آتون لا محالة، يتوجب اطلاق هذا النداء.
وأن حواراً بلا شروط مسبقة بين جميع الأفرقاء السياسيين يمكن أن يفتح نافذة في جدار وطن مهدّد بالانهيار من الداخل والتفتت من الخارج.
كما إن الإرشاد الرسولي ونداءات البطريرك الماروني المتكررة، ووثيقة بكركي، والقمم الروحية الاسلامية المسيحية، تشكّل بمضمونها الروحي والاخلاقي حجر الزاوية لإنطلاقة كبرى، تعمل عليها الرابطة المارونية منذ زمن.

وإنطلاقاً مما تقدّم، نرى:

1- إن الانقسام السياسي الحاصل اليوم في لبنان ليس لمصلحة المسيحيين ولا المسلمين ولا لمصلحة العيش المشترك القائم على الحرية والمساواة والتضامن. فالمسيحيون اليوم منقسمون بين تيارين، هما في نزاع تاريخي لا يعنيهم مباشرة، والمسلمون منشطرون فيما بينهم، في نزاعات دينية ومذهبية بخلفيات إقليمية استراتيجية تتعدّى الحدود الجغرافية، تُـمعن في توظيفها لحسابها الخاص العديد من الدول.
وهذا الواقع ينبغي التصدي له بقرار وطني مسؤول يفضي الى تضامن سياسي حول المسلّمات الوطنية، والى وقف الصراع الدموي بين إخوتنا السنّة والشيعة، وبالدعوة الى إنتفاضة اسلامية ضد الظلامية والرجعية والتخلّف والى انبزاغ قوة اسلامية مسيحية، منفتحة على الشرق والغرب، دائمة المطالبة بكل ما تتطلّبه مصلحة لبنان العليا.

2- وإن أولى الاولويات اليوم، هي المبادرة السريعة الى انتخاب رئيس للجمهورية يُختار في لبنان ومن أجل كل لبنان، في نظام أضحى شبه معطلٍ بحسابات واهية، يحكم ويتقاسم سلطةً رَسمت سلفاً القوى الاقليمية حدودها.
إن اتفاق الطائف ينازع اليوم مع عرّابيه، فلا ننتظرّن أن يدقّ ناقوس الخطر، لنعيٍّ هذا الاتفاق، كي نقفز الى المطالبة بعقد ميثاق وطني جديد، لا نعرف مسبقاً أفقه والمضامين. فالحكم يعني المساواة والدراية والترقب وحسنَ التوقّع.

3- اقرار قانون انتخابي دائم، يضمن انتخاب ممثلين حقيقيين عن الشعب، يحمل الى المجلس النيابي النخب والقيادات القادرة على العبور الى الدولة المدنية، المبنية على الكفاية والعدالة والمساواة.

4- التدرّج المتزن وغير المتسرع في تطبيق اللاطائفية السياسية، بدءاً بالقطاع التربوي مع العمل على غرس روح جديدة في قلوب الناشئة، تكون مفعمة بالقيّم الوطنية الخالصة، والولاء للوطن.

5- دعـم القضاء وتعزيز استقلاليته وتنقيته من كل ما يعتوره من شوائب، وإعادة إحياء المجلس الاقتصادي والاجتماعي وتعزيز دوره، واعادة هيكلة وتحديد صلاحية المجلس الدستوري، وهي مبادارات لازمة، لا بدّ من الاقدام عليها من أجل تأسيس دولة القانون.

6- انفتاح الدولة على الاصلاحات البنيوّية الضرورية في تطهير الادارة ودعم الجيش والقوى الأمنية وتطوير الجامعة اللبنانية واعتماد الخصخصة والمكننة في الإدارات.

7- اعتماد نظام اللامركزية الادارية الموسّعة واللاحصرية الملحوظ في اتفاق الطائف، فاللامركزية، تشكّل اليوم على المستوى الدستوري العالمي خــطوة كبـــرى نحو الديموقراطيـــة الحقـــة، مع تـوقٍ عميق الى الحرية تراعي في آن قيم الانصاف ضمن احترام وحدة الدولة وحصانتها.

8- إن حياد لبنان هو موضوع مطروح اليوم على بساط البحث في وثيقة بكركي، وثمة من يرى فيه وسيلة، تدفع من سلبيات النزاعات الدولية والإقليمية على لبنان. هذا الامر يجب أن يكون مادة حوار وطني بين اللبنانيين، من دون عقد أو أفكار مسبقة خصوصاً أنه لا يعني حياداً في وجه إسرائيل غاصبة الارض والحقوق، ولا سيما لجهة حق عودة اللاجئين الى فلسطين المحتلة بموجب القرارات الدولية.

9- إن صون التعدد ضمن الوحدة، يستوجب توجهاً وطنياً جريئاً واعتماد فهم ديموقراطي تغييري وبناء دولة ديموقراطية على قاعدة المواطنة، دولة يتساوى فيها المواطنون في الحقوق، وتعتمد الكفاية والنزاهة بديلاً للطائفية والمذهبية وعصبياتها وذلك ضماناً للمستقبل وتحصيناً لشروط العيش الواحد.

إن هذا النداء الذي نطلقه اليوم كرابطة مارونية ومن موقع وطني، ليس زجاجةً ترمى في البحر، حاملةً رسالة الى مجهول. أننا نعيش اليوم حقبة مفصلية من تاريخنا تحتّم تطويراً جذرياً للنظام من داخل النظام، وإن لبنان الاقتصاد، لن يعيش عقداً إضافياً، إذا كان كل أو جزءٌ من الإصلاحات التي ننشدها ليست محققة كلياً أو جزئياً.
وهذا الكتاب المفتوح سوف يستتبع باتصالات مكثفة من أجل إستنهاض الرأي العام اللبناني، وتوعيته الى مسؤولياته الوطنية ودعوته الى المشاركة في مجابهة هذه الاحوال المصيرية التي تعصف بالبلاد، وتهدد الكيان، وتنذر بتفريغه من مكوناته الاساسية.
وستتشرف الرابطة المارونية في قابل الايام بزيارة الصرح البطريركي والدعوة الى مؤتمر وطني جامع برعاية ورئاسة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، تتمثل فيه النقابات وهيئات المجتمع المدني، والنخب الثقافية والفكرية والمهنية لوضع مضمون هذا الكتاب – النداء حيّـز التنفيذ من خلال الاتفاق على تحرك ميداني ودفع هذه القوى للانخراط في عمل موحد غايته الاولى والاخيرة انقاذ لبنان.