إيمان… (جوزيف عيد/ فرانس برس)

المسيحيّون في لبنان، واقعهم اليوم لا يُقارَن بواقع مسيحيّي المنطقة عموماً. أمر يجزم به معنيّون كثر، إذ يرون أنّ لهؤلاء وجوداً ودوراً ورسالة.

تتعدّد الطوائف المسيحيّة في لبنان، فيما أوضاع المنتمين إليها – جميعاً – واحدة. وإن كان واقعهم أفضل من واقع آخرين من أبناء المسيحيّة في الشرق، غير أنّهم يواجهون كذلك تحديّات تختلف طبيعتها، فيتشاركون بعضها مع سواهم من مسيحيّي دول الجوار، وثمّة تحديّات أخرى يتشاركونها مع مواطنيهم المسلمين.

قليموس: لسنا أهل ذمّة

والمسيحيّون في لبنان، بحسب ما يؤكّد رئيس الرابطة المارونيّة، أنطوان قليموس، في حديث إلى “العربي الجديد”، “وضعهم يختلف عن أيّ مسيحيّ آخر في دول الشرق الأوسط. هم الذين كانوا وراء أسس الكيان اللبنانيّ، ولم يشعروا في مرّة بأنّهم – مثلما يُصوَّر المسيحيّون في الشرق خارج لبنان – أهل ذمّة”. ويقول قليموس، وهو النقيب الأسبق للمحامين في بيروت، إنّ المسيحيّين “قاموا بتضحيات كثيرة من أجل هذا الكيان، ومن أجل الحفاظ على وجودنا الحرّ وعلى دورنا الثقافيّ في الحضارة العربيّة. وهذا كلّفنا دماً ودموعاً، وكلّفنا هجرة من أيّام المماليك، مروراً بالعثمانيّين، وحتى تاريخ اليوم”. ويشرح أنّ “كثيرين هم المسيحيّون الذين هاجروا، لكنّ هجرتهم لم تكن بمنطق ترك الأرض أو ترك الوطن. كان هاجس العودة رفيقهم دائماً، إذ نصف عائلة الواحد منهم كانت تبقى هنا. هم هاجروا طلباً للرزق والحريّة والأمان والتمكّن من إبقاء من بقي هنا متجذّرين في هذه الأرض. لم يهاجروا لكي نُقتلَع. وإلى هذا الحين، نحن لا نشعر بالإحباط ولا بالنقص ولا بالخوف. لأنّ وجود المسيحيّ مرتبط بحرّيته وبثقافته وبإشعاعه في محيطه وبدوره”. يضيف: “نحن وصلنا إلى حدّ الشهادة. بطاركة استشهدوا، وكذلك كهنة وعلمانيّون وشباب وأشخاص أبرياء… كلّه في سبيل بقائنا أحراراً، نؤدّي الدور الذي أوكلناه لأنفسنا في هذه المنطقة من العالم، ومن خلالها إلى العالم أجمع”.

وعن الحضور السياسيّ وكذلك الدور السياسيّ، يقول قليموس إنّهما “تقلّصا بالتأكيد”. ويوضح أنّه “مع استقلال لبنان، أعطيت امتيازات للمسيحيّين، وتحديداً الموارنة، لجهة رئاسة الجمهوريّة وما إليها. ونحن كنّا أكثريّة، لناحية العدد، لكنّ المعطيات تبدّلت إذ إنّ الهجرة خفّفت من الوجود الديموغرافيّ المسيحيّ. كذلك، فإنّ الحضور السياسيّ للمسيحيّين ضعف بعض الشيء خلال العهود الرئاسيّة التي تلت الاستقلال وصولاً إلى الطائف، نتيجة بعض السياسات الخاطئة التي اتُّبِعَت في تلك العهود، التي كان يُفترَض فيها ترسيخ الدور المسيحيّ”.

 
في إحدى كنائس بيروت (باتريك باز/ فرانس برس)

ويتابع قليموس: “اليوم، أين نحن؟ أتى اتفاق الطائف ليدخل تعديلات على الدور السياسيّ للمسيحيّين. وعندما أقول مسيحيّين أقصد الموارنة، لأنّهم هم الواجهة وهم حضن المسيحيّين في لبنان، وحتى في الشرق. عندما قُلّصَت صلاحيات رئيس الجمهوريّة وانتقلت تلك الصلاحيات إلى مجلس الوزراء، تغيّر الموضوع. إلى ذلك تأتي الديموغرافيا، ولا يمكننا القول إنّ نسبة النموّ السكانيّ لدى إخواننا المسلمين هي نفسها لدينا. بالتالي، ثمّة خلل ديموغرافيّ اليوم في لبنان”. لكنّ قليموس يؤكّد أنّ “إحساسنا اليوم ما زال على حاله. لا يمكن للمسيحيّ في لبنان أن يشعر بالاستضعاف ولا بالتخاذل. فإذا انتهى دور المسيحيّين في لبنان، فهذا يعني – بمفهومي – أنّ لبنان انتهى. ففي لبنان ميزة غير موجودة في العالم كلّه، وهي التعدديّة الدينيّة والثقافيّة والحضاريّة. إذا فُقد العنصر المسيحيّ، فإنّ لبنان لا يعود لبنان”. ويشدّد على أنّ “حضور المسيحيّ من دون دور له، لا نفع له. الوجود متلازم مع الدور. وما زال الدور المسيحيّ حتى اليوم، بعافيته. والدور المسيحيّ نشط، إنْ في الحقل الماليّ والاقتصاديّ والمصرفيّ أو في الحقل الثقافيّ أو التربويّ أو الاستشفائيّ، وحقول أخرى. وفي السياق، فإنّ أداء بعض السياسيّين المسيحيّين دفع في اتّجاه إضعاف الدور المسيحيّ الذي من المفترض أن يضطلع به”.

ويعبّر قليموس عن ثقته في أنّ “المسيحيّ في لبنان، وتحديداً المارونيّ، لا يمكن أن يتخلّى عن وجوده. فاليوم، على الرغم من كلّ ما يحيط بنا من أجواء تكفيريّة وإرهابيّة، لم نشعر بضعف، ولم نشعر بأنّ ثمّة ما يدفعنا إلى البحث عن ملاذ آخر”.

ولبنان عرف موجات هجرة عدّة بدءاً من عام 1860، بحسب ما يشير قليموس، موضحاً أنّه “في كلّ مرّة كانت الهجرة تأخذ صبغة معيّنة. لكنّ الهجرة تشمل اللبنانيّين جميعاً وليس فقط المسيحيّين. ومن غير الصحيح أنّ المسيحيّين هم العدد الأكبر من المهاجرين اللبنانيّين اليوم. في أزمنة سابقة، مررنا بما يمكن تسميته هجرة الخوف على السلامة والأمن، أمّا اليوم فهي تأتي طلباً للرزق وتشمل كلّ مكوّنات المجتمع اللبنانيّ”.

يُقال إنّ المسيحيّين يهاجرون خوفاً من الآخر، أمر ينفيه قليموس، مشدّداً على أنّ “لا خوف على المسيحيّين عبر تخويفهم. وبالعكس تماماً، فإنّ ذلك يدفع في اتجاه هجرة عكسيّة. ونحن كرابطة مارونيّة، ندعو دائماً إلى ذلك، أي إلى العودة إلى الوطن”. يدعو إلى ذلك على الرغم من كلّ التحدّيات، قائلاً إنّه “لا يمكن إنكار أنّ التكفيريّ والإرهابيّ وامتدادهما إلى الداخل من خلال بعض الأطراف، أشخاص أو خلايا نائمة، هو تحدّ لنا. لكنّنا لا نخافه. وإليه، يأتي التحدّي المعيشيّ في الظروف الاقتصاديّة الراهنة وفي غياب المشاريع الإنمائيّة والاقتصاديّة والتحفيزيّة للاقتصاد. وهذه التحديات لا يواجهها المسيحيّون فحسب، بل كلّ اللبنانيّين”.

ويلفت قليموس إلى أنّ الرابطة المارونيّة التي يرأسها تعمل على “حماية دور المسيحيّين وحقوقهم، من خلال رصدها أيّ خلل أو انتقاص من شأنهم في المؤسسات الرسميّة وفي المجتمع السياسيّ اللبنانيّ”، مؤكّداً أنّها “ليست جمعيّة خيريّة أو إنمائيّة، بل دورها وطنيّ سياسيّ. دورها وطنيّ أكثر ممّا هو سياسيّ، إذ هي ليست حزباً سياسياً إضافياً على الساحة اللبنانيّة. هدفها المساعدة في خلق الخطّ الاستراتيجيّ الذي يحمي الدور المسيحيّ والوجود المسيحيّ، وليس من أجل الانتقاص من حقوق إخواننا المسلمين أو دورهم”. ويكمل: “نحن نحاول تحفيز المسيحيّين للانخراط مجدداً في هذه الدولة، بدلاً من أن يقولوا إنّها ليست دولتنا، لمجرّد التغيّر الديموغرافيّ الحاصل. نريد أن نقول لهم إنّ هذه الدولة هي دولة للجميع، وإنّ المسيحيّين هم أساس في الكيان اللبنانيّ”.

 
تاريخاً وحاضراً (باتريك باز/ فرانس برس)

أفرام: لسنا عدداً ولا نسبة

من جهته، يؤكّد رئيس الرابطة السريانيّة حبيب أفرام، في حديث إلى “العربي الجديد”، أنّ “المسيحيين في لبنان دور ورسالة وقيم وحضارة. إمّا أن يكونوا نوراً فيه ودعاة حريّة وحقوق إنسان وتقدّم، وإمّا أن يفقدوا هويّتهم”. يضيف أفرام، وهو أمين عام اللقاء المشرقي، أنّه “لا شكّ في أنّ تحديات مذهلة تواجههم، أوّلها هُم في نظرتهم إلى ذاتهم وفي تطلّعاتهم وفي وحدتهم وفي أحزابهم وفي تفشّي ظواهر اجتماعيّة تبعدهم عن الأرض والتراث وفي تكوين نخبهم. ثاني التحديات هو أنّهم يتراجعون في العدد والثقل، الأمر الذي يخيفهم ويطرح علامات استفهام حول مستقبلهم بعد ربع قرن. ماذا لو تخلى الشريك، أو الشركاء، عن قاعدة المناصفة؟ ماذا لو انزلق أبناء الوطن إلى النظر إليهم كأقليّة؟ أمّا ثالث التحديات فمواجهتهم خطر توطينَين، الفلسطينيّ والسوريّ. ورابع التحديات هو أنّه على الرغم من الانتصار في تحرير جرودنا من الإرهاب، فإنّ ثمّة خطراً دائماً من جرّاء خلايا أصوليّة وفكر متطرّف لا نعرف أين يضرب وكيف”.

ويتابع أفرام أنّه إلى كلّ ذلك، “لبنان يمرّ بأزمة أخلاق واقتصاد وفساد ونفايات وطرقات وكهرباء، من دون حلول. لكن ثمّة فرصة رائدة بانتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهوريّة من رحم معاناة، وهو الأكثر تمثيلاً في وجدان المسيحيّين، فأعاد توازناً كان مفقوداً. ويُطرح السؤال: كيف يتوجّه العهد، وكيف نقوّي وحدة وطنيّة على قاعدة مصلحة لبنان، في ظل فالق سنيّ – شيعيّ في المنطقة، وفي زمن قد تتغيّر فيه الحدود وتسقط أنظمة؟”. ويشدّد على أنّ “مسيحيّي لبنان في حاجة إلى رؤية وتجرّد ونزاهة، إلى أن يأتوا بأكثرهم فكراً ونضالاً وإشعاعاً إلى السلطة، إلى الوزارة والنيابة والإدارة، وأن يتشبّثوا بأنّهم روّاد إصلاح ونهضة في الشرق”.

وهل وضْع المسيحيّين في لبنان اليوم أفضل من وضعهم في المنطقة ككلّ، مثلما يُقال، يجيب أفرام: “طبعاً، لبنان واحة لمسيحيّي الشرق، ومثال الوطن الوحيد الذي رئيسه مسيحيّ، والذي يتشارك المسيحيّون فيه صناعة القرار الوطنيّ بالمناصفة مع المسلمين. في المنطقة كلّها، المسيحيّون مواطنون درجة ثانية، ذميّون، فلا الأنظمة تفهم معنى التنوّع والتعدّد واحترام الإنسان والجماعات، ولا التنظيمات تفعل. مسيحيّو الشرق أمام أزمة إمّا أن تحكمهم الخوذة العسكريّة أو العمامة الدينيّة. ومسيحيّو الشرق، بعد داعش، بعد استهدافهم بطريقة مباشرة، سقطوا في خطيئة الهجرة. ليس هيّناً أن تطلب من سريانيّ في القامشلي أو آشوري في سهل نينوى، الصمود. حين انهارت الجيوش، وقوي التكفير والذبح والخطف، لم يعد ربّما أمام شعبنا إلا الانكسار والتفكير بأرجلهم والمغادرة. إنّه تاريخ مثقل بالاضطهاد والتهجير والقلق الوجوديّ”.

 
يرفعنَ الصلوات (أنور عمرو/ فرانس برس)

ويشير أفرام إلى أنّه “من سخريات الأقدار أنّ ثمّة موارنة في البرازيل أكثر ممّا يوجد في جبل لبنان، وسريان في سودرتاليا في السويد أكثر ممّا يوجد في حمص، وآشوريّين في شيكاغو الأميركيّة أكثر ممّا يوجد في دهوك، وكلدان في ديترويت الأميركيّة أكثر من القوش في سهل نينوى. وكلّما كان نقاش مع أهلنا في العراق أو سورية، نسمع أنّ اليأس يجتاحهم، وأنّ لا ثقة لهم مطلقاً في المستقبل”.

تعليقاً على أنّ المسيحيّين قد يمثّلون العدد الأكبر من مهاجري لبنان، يشدّد أفرام، وهو مؤلّف كتاب “مسيحيو الشرق: خيار البقاء وإرادة الرجاء”، على أنّه “نحن لسنا عدداً ولا نسبة. وكلّ من ينظر إلى الشرق عبر أعداده لا يفهم معناه ولا تاريخه. كلّ اللبنانيّين هاجروا لأسباب متنوّعة، إمّا بسبب المجاعة أو الاقتصاد أو فرص العمل أو التربية. هذه نزعة عندهم. لكنّ الحروب والمشاكل التي جعلت نظام لبنان غير مستقرّ، خصوصاً تقاتل أبنائه والجولات المتكرّرة من العنف، ناهيك عن الاحتلال الإسرائيليّ والهيمنة السوريّة وتناتش السلطة، كلّ هذا كاد أن يفقد لبنان زهرة شبابه”.

وردّاً على مدى التشابه بين ما يحدث في المنطقة اليوم وبين ما عايشه السريان في الماضي والذي أدّى إلى تشتّتهم، يجيب أفرام “نحن السريان أصلاً، بقايا سيوف، لقد ظلمنا التاريخ في محطات كثيرة، مجازر واضطهادات وترحيل وظلم وحروب. ولا شكّ في أنّ مجازر عام 1915 من قبل الدولة العثمانيّة وما نسميها نحن سيفو (أي السيف) كانت ضربة قاضية. وما نشهده الآن هو سيفو متجدّدة من قبل الأصوليات فنُقتلع من الجذور، وتُرفَض حتّى كنائسنا وأديرتنا ولغتنا ومقابرنا، ويُخطَف مطارنتنا مثل المطرانَين يوحنا إبراهيم وبولس اليازجي ولا نعرف عنهما شيئاً ولا نبلَّغ عنهما شيئاً. وكأنّ لا أحد يهتمّ. يُذبح المطران فرج رحو في العراق، ويُمعنون في تكفيرنا وتخويفنا. أعترف أنّ نضالنا من أجل مسيحيّي الشرق لديه ركيزتان الآن: مسيحيّو لبنان في الدور والبعد، وأقباط مصر في العدد. أمّا في العراق وسورية، فالوضع كارثيّ”.

والأشدّ خطورة بالنسبة إلى أفرام، “وأنا أقول هذا من هذا المنبر بالذات، أنّ العقل العربيّ والعقل الإسلاميّ غير مدركَين لخطورة انتهاء المسيحيّة من الشرق. إنّها مسؤوليّته أمام الله والتاريخ، أن يكون أميناً على التنوّع والتعدّد واحترام كلّ آخر وكلّ إنسان وكلّ جماعة. لا يكفي القول إنّ داعش ليس منّا وداعش لا يمثّلنا، بل على العالمَين العربيّ والإسلاميّ أن يبادرا إلى تعزيز فكر التنوّع على قاعدة المواطنة والمساواة”.

المصدر: العربي الجديد – ميليا بو جوده – 29/9/2017