صدَرَ بيان الرابطة المارونية، و”صار يللي صار”. “مذل” بتعبير احد الموارنة. الرابطة اصبحت “مربوطة بحزب الله”، بتعبير آخر. انتقادات حادة على وسائل التواصل الاجتماعي، اتهامات بالخروج عن الثوابت المارونية، وصولا الى التخوين والتشكيك في الاصالة والانتماء، والمطالبة بالاستقالة. لكن في معيار رئيس الرابطة انطوان قليموس، هذا الهجوم “غير مبرر”، “وشو هالكفر يللي كفرناه؟” ولهؤلاء “الطراطير”، يقول: “لن أردّ عليكم”.

بدأت القصة قبل نحو اسبوعين، بـ”تثمين” الرابطة “الخطاب الوطني الجامع الذي خرج به الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في معرض توصيفه للانجازات التي حققها مقاتلو الحزب في جرود عرسال”. بيان اشعل نارا في قواعد مارونية عدة، لم تنطفىء بعد.

معركة عرسال، و”صار يللي صار”. “وردني اقتراح من اعضاء في المجلس التنفيذي للرابطة لاصدار بيان لملاقاة الموقف الايجابي، وفقا لما اعتُبر، للسيد نصر الله. عرضت الامر على المجلس، وكان شبه اجماع على اصدار هذا البيان”، يروي قليموس لـ”النهار”.

صدَرَ البيان “المذل والمؤسف”، وفقا للانتقادات، و”بعض الوصوليين يقدمون اوراق اعتمادهم الى حزب الله ويبيعون تاريخ طائفتهم”، و”مطلوب ان تستقيل الرابطة واستبدالها بموارنة اصيلين”… مواقف وآراء انتشرت في الارجاء، ويستغربها قليموس.

فما عبّرت عنه الرابطة في بيانها هو “ان موقف نصرالله ايجابي، يصبّ في خانة الوحدة الوطنية، لانه قال في خطابه انه لا يريد ان يرد على الاصوات المعارضة في الداخل، او على الرئيس الاميركي دونالد ترامب، لئلا تتعرقل مهمة الرئيس سعد الحريري في واشنطن. والاهم ايضا قوله ان حزب الله سيسلم الى الجيش المواقع التي سيطر عليها (في جرود عرسال)”.

هذه المواقف وجد قليموس وجوبا لتثمينها، شرط “تثميرها في بناء الدولة القادرة والحامية والحاضنة لكافة أبنائها”. واكدنا ايضا ان “الجيش يبقى وحده الامل والرجاء لحماية كل اللبنانيين”. ويتدارك: “شو هالكفر يللي كفرناه؟”

تفاهات وطراطير 

اصوات كثيرة ارتفعت، لكنه لم يردّ عليها، “لانها لا ترتقي الى مستوى الخطاب الوطني. وأجبت اصواتا قليلة بما يستحق الرد”. التعبير عن الرأي بحرية امر يؤيده، و”معن حق يكون عندن رأي”، على قوله. لكن “لا يجوز التعرض للكرامات والاشخاص”. بالنسبة اليه، ما عبّرت عنه الرابطة هو “ما اعتبرنا، انطلاقا من وجهة نظرنا، انه يحفظ اللحمة الوطنية والوطن. هذا هو دور الرابطة”.

بيان اوّل شعّل الاجواء، اتبعته الرابطة ببيان ثان “أكد مضمون البيان الاول، ردا على القائلين بان انطوان قليموس يستأثر بالقرار في الرابطة”، على قوله. هجوم عليه، قابله “تأييد من الوزير السابق ميشال اده، ورؤساء سابقين للرابطة”. ويتدارك: “انا أسمع، لكنني لا احب ان اسمع التفاهات. والادب السياسي لا يتقنه هؤلاء الطراطير، ولا اردّ عليهم”.

التشكيك والاتهام لا يروقان إطلاقا له، خصوصا “انني اخوض معركة ضد اداء وزراء “امل” و”حزب الله” في وزارة الزراعة”، على ما يؤكد. “لا اتكلم في السياسة مع “حزب الله”، بل في خطاب نصرالله من الناحية الوطنية. اتعاطى بالقطعة، وبالمفرق. لا اقول انني مع “حزب الله” في كل شيء. لست معه في عقيدة ولاية الفقيه، او ان يحمل السلاح محل الجيش. هذه ثوابت عندنا، ولا احد يزايد علينا”.

نتخذ القرار الذي نقتنع به

*اذا ادلى نصرالله بمواقف مماثلة، فهل الرابطة مستعدة لتثمين موقفه مجددا، ام تعلمت درسا؟

-كل امر نبحث فيه في ظرفه. ونتخذ القرار الذي نقتنع به، بمعزل عن اي ترهيب او ترغيب، ايا تكن جهته. نقرر ما نقتنع به، وما نرى، من وجهة نظرنا، انه يخدم القضية المسيحية واللبنانية. ولن نغيب عن اي استحقاق. إيّاكِ ان تعتقدي ان ما حصل سيمنعني يوما من انتقاد خطاب نصرالله او تأييده مجددا. كل شيء في وقته. واذا ارتأينا انه من النافع والضروري تأييد امر ما، كوني على ثقة باننا سنتخذ الموقف. وسنقوم بالامر نفسه، اذا ارتأينا انه يتطلب محاربة وانتقادا”.

ما يُحكى عن استياء بكركي من بيان الرابطة امر يستغربه ايضا. “بكركي زعلت منا؟ وماذا صرح البطريرك في الديمان؟” يتساءل ردا على هذه الاقاويل. في لائحة قليموس، هناك بكركي، حزب “القوات اللبنانية”، “التيار الوطني الحر”، رئيس “تيار المرده” النائب سليمان فرنجيه، حزب الكتائب، والشخصيات “المسيحية الوطنية الرصينة والموزونة”. و”اذا صدر عن هذه الجهات موقف مني، احترم اي كلمة واتناقش معها، واكون شاكرا لها. لكن ايا منها لم ينتقد موقفي”.

امر آخر. اعلان ممثل “القوات اللبنانية” في المجلس التنفيذي للرابطة جوزف نعمة “تجميد مشاركته” في المجلس، ثم تراجعه عن ذلك. “للتطمين، شارك في الاجتماع الثاني للمجلس. لقد اخذ موقفا انفعاليا عندما سمع بمواقف القاعدة (القواتية). لكن القيادة هي التي تحدد الموقف. والقيادة لم تصدر اي موقف…”.

انه “الاجماع” في الرابطة، في تأكيده. “صوت الرابطة حر، ولا دخل له بالالوان السياسية”. وفي تأكيده ايضا، الرابطة “لم تحد عن دورها الاساسي” الذي تأسست عليه، وهو ان “تتعاطى العمل الوطني”. “لا يزال دورها نفسه، مئة في المئة، وسيزيد اكثر في الدفاع عن اقتناعاتها”.

رغم القصف على موقف الرابطة وتخوين مجلسها، يؤمن قليموس بان “هيبتها لم تُمَس”، و”الضربة يللي ما بتكسر الضهر بتقويه”. بعد هذه الهجمة “غير المبررة”، اصبحت الرابطة “اكثر صلابة واصرارا على حرية رأيها وموقفها ودورها”.

جبور: اعادة النظر في البيان  

استياء في القاعدة القواتية تحديدا، امتعاض من موقف الرابطة. ايا يكن، تبقى قطبة الربط والفصل عند القيادة القواتية التي “لديها نظرة ثاتبة الى الرابطة، لم تتبدل بتبدل الظروف”، على قول المسؤول عن جهاز الاعلام في حزب “القوات اللبنانية” شارل جبور لـ”النهار”.

في الشرح القواتي، “الرابطة بالنسبة الينا ليست حزبا سياسيا. وعندما نقول الرابطة المارونية، يفترض ان تشكل قاسما مشتركا بين الموارنة، اي ان عليها ان تعمل لكل ما يجمع بينهم، وليس لما يفرق بينهم”، على قوله. وهذا يعني بوضوح “ان الامور الخلافية يجب استبعادها”، ومنها “المتصلة بحزب الله والسيادة اللبنانية”.

لمزيد من الشرح، على الرابطة “القيام بأمرين اساسيين: الاول ان تحدد ثوابتها التي يجب ان تكون متجذرة حكما في الثوابت الواضحة للكنيسة المارونية، وان تلتزمها. والآخر ان تركز على المواضيع التي لا تشكل خلافا بين الموارنة، منها الحضور المسيحي في الدولة والحفاظ على الانتشار الماروني في الجغرافيا اللبنانية…”.

هل اخطأت الرابطة في بيانها عندما تناولت موضوعا خلافيا بين الموارنة؟ يجيب: “كل من يعمل في الشأن العام قد يصدر مواقف، في لحظات سياسية معينة، تحتاج الى اعادة نظر، بمعزل عن انها اخطأت او لم تخطىء. لا شك في انه يفترض اعادة النظر في بيان الرابطة، وإلا تتحوّل طرفا من الاطراف، بينما تدخل عمليا في محاور سياسية داخلية. قبل صدور البيان، كان يجب التبحر اكثر في مضامينه، لعدم اعطاء افرقاء معينين غطاء او صك براءة، خصوصا اننا في مرحلة دقيقة جدا تتطلب المزيد من التمسك بالثوابت اللبنانية”.

احد انعكاسات مأزق البيان، اعلان ممثل القوات في المجلس التنفيذي للرابطة جوزف نعمة “تجميد مشاركته” في المجلس، ثم تراجعه عن ذلك. نسأل: “كأن القيادة القواتية لم تأخذ في الاعتبار استياء القاعدة”. يجيب جبور: “لا نريد ان نحوّل موقف الرابطة محاكمة لها. تريد القوات ان تستمر الرابطة في دورها. وبالتالي يجب عدم تحميل القصة اكثر مما تحتمل. يجب تجاوز المسألة. الرابطة لها دور مميز، ويجب ان تحافظ عليه انطلاقا من رؤية الى هذا الدور…”.

المصدر: هالة حمصي – النهار 14/8/2017