المصدر: النهار، السبت 19 كانون الاول 2020  – منال شعيا

“لا بد من التحرّر من عقدة قدسية الطائف ثم المباشرة في حوار وطني عام لابتكار نظام جديد عصري”.

هذا الكلام هو لرئيس الرابطة المارونية نعمة الله أبي نصر، وهو كلام نوعي في توقيته وشكله.

في التوقيت، يُعدّ هذا الموقف متقدما جدا اذا ما وُضع في السياق الزمني للأزمة غير المسبوقة التي تهدد كيان الوطن ومؤسساته وشعبه.

وفي الشكل، لعلّها المرة الاولى يصدر كلام مماثل عن الرابطة المارونية، فهل هو اعتراف أولي علني بموت الطائف وانتهاء صلاحيته؟ وهل بتنا فعلاً في ازمة نظام تداعى على رؤوس الجميع وانهار كليا؟

بالطبع لا يمكن اعتبار هذا الكلام عابرا في مضمونه، ولا زلة لسان او دعسة ناقصة، بل هو أتى بعد اجتماع الجمعية العمومية السنوية للرابطة المارونية، وعلى لسان رئيسها، ليعطي الكلام قيمة ووزناً إضافيين.

ولا يحاول ابي نصر التخفيف من حدة كلامه، على رغم موجة الاتصالات والردود التي تلقّاها، والتي أتت في الجزء الأكبر منها داعمة له، بل هو يؤكد عبر “النهار” موقفه المتقدم، ليبادرك بالقول: “المسيحيون غائبون ومغيَّبون. وماذا يريدون بعد؟!”.

ويضيف: “نعم، لا بد من التحرر من عقدة قدسية الطائف، عبر البدء بحوار وطني عام جامع لابتكار نظام سياسي جديد يعيد الوطن الى المنطق اللبناني، الى نهائية الوطن، واولى ركائز هذا الكيان التحرر من الارتهان الى الخارج.

ولكن عمليا، ماذا يعني هذا الموقف، هل هو دفن علني لاتفاق الطائف الذي أتى بعد حروب أهلية – خارجية دامية؟

يجيب ابي نصر: “الخطوة الأولى نحو بناء وطن تكون عبر فك أي ارتباط مع أي خارج، بدءا من فرنسا الى السعودية الى ايران. لا نريد إلا وطناً جامعاً من اولاده ولاولاده”.

الحياد الايجابي

وهذه الخطوة كيف تترجم في النظام السياسي الجديد الذي دعوتَ اليه؟

يقول: “النظام العصري الذي آن اوانه يكون بإعادة الوطن الى المعنى الكياني الحقيقي، وعبر احترام الديموقراطية التعددية التوافقية الخاصة التي وحدها تضمن استمرار هذا الكيان التاريخي المميز في نوعيته وتنوّعه”.

أبي نصر الذي ينطلق من تجارب مريرة، إنْ في ملف التجنيس أو ملف المغتربين اللذين حمل لواءهما أكثر من 18 عاما في لجنة الإدارة العدل وغيرها من المواقع النيابية، يعتبر ان الملف الحساس الذي يطالب به اليوم، هو “ملف كيانية لبنان ووجوده، بعدما توالت أشكال الارتهانات للخارج، وضعفت القوة الذاتية اللبنانية”.

من هنا، يؤكد ان “لبنان لا يمكن ان يستمر على الشكل الذي هو فيه الآن، او بالاحرى في التدهور الكبير الذي نعيشه، اذ ان التطورات البالغة الخطورة التي نشهدها والضغط اليومي الذي يلامس حد الانفجار على كل المستويات، لا يمكنه إلا ان يجعلنا نطالب بأن ينأى لبنان بنفسه عن صراعات المنطقة الأساسية، عبر الامتثال الى الحياد الإيجابي”.

لعل في هذا الموقف تلاقياً واضحاً وصريحاً مع مواقف البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي التي بدأها تصاعدية، ووصل به الامر في النهاية الى اعلان مذكرة “الحياد الناشط”.

لذلك، لا تعتبر خطوة الرابطة المارونية ناقصة او بعيدة او هامشية، بل هي بنظر ابي نصر “أساسية في مرحلتها هذه، شرط ان تكون محصنة بتأييد وطني جامع للوصول الى بلوغ الهدف”.

ولا يجد ابي نصر إحراجا في القول ان “الوضع المسيحي عموما والماروني خصوصا تطوّقه صراعات حادة ومفتوحة وحملات اعلامية بين اطراف العائلة المسيحية الواحدة، وهذا ما يعرّض الكيان للخطر”.

“الى اين وصلنا؟”

هكذا، اثبت الطائف فشله بعد 30 عاما؟

يقاطعك ابي نصر بالقول: “جرّبنا 30 عاما، وماذا؟ الى اين وصلنا؟ ما هي هذه العقدة التي تجعلنا نعيش تحت قدسية الطائف؟ اين الموارنة اليوم؟ اين الخطاب الوطني الجامع، وماذا تعني الـ30 عاما، الى اين انتهينا؟ نحن نسير اليوم “بالمشاية”. انا لا يمكن ان أكون رئيسا للرابطة المارونية، وشخص واحد الى جانبي جائع”!

ويسأل: “من الذي جنّس؟ من الذي وطّن؟ من الذي خرّب؟ ان مشكلتنا اننا لا نعترف باننا وصلنا الى الانتحار. يقولون ان الموارنة تصالحوا، عظيم، وما سبب الخلاف بعد المصالحة اذاً؟ علينا ان ندرك ولو لمرة أخيرة ان كيان لبنان ينبغي ان يكون فوق أي اعتبار، فوق الجميع، وان قدرنا ان نعيش سويا”.

برأي ابي نصر ان “من يدّعي حرصه على الطائف وعلى ضرورة عدم تجاوزه، نسأله أولا: وهل طبقتم في الأساس الاتفاق واحترمتم دستوره؟ هم يضيّعون البوصلة ويقولون اننا في ازمة تأليف وأزمة حكومة، فيما الواقع ان ازمتنا اعمق بكثير، هي ازمة نظام. وعلى سبيل المثال، لِمَ لا يكون رئيس الحكومة ملزما بمهلة زمنية محددة لينهي استشاراته لتأليف الحكومة؟ أليس هذا الامر من مطبّات  الطائف؟ أيعقل مثلا ان يبقى عاماً يؤلف حكومة، وألا يحكم إلا مدة وجيزة ومن ثم يستقيل او يغادر؟! أليست كل هذه الأمور مدعاة للتوقف عند الطائف؟”.

يصر ابي نصر على ان “الرابطة هي مؤسسة وطنية، علمانية، مارونية، واليوم علينا دور كبير ينبغي ان نمارسه، إن في الشأن الاجتماعي او الوطني، نظراً الى الازمة غير المسبوقة التي نعيشها. والخطوة الأولى نحو الحل تبدأ بحوار وطني لتحرير لبنان من الارتهان للخارج. نعم، ربما علينا ان نعيد عبارة: لا للشرق، ولا للغرب، ولا للاصطفافات التي تعطي كل طرف حق أخذ الإذن من الخارج. نريد وطنا”.

ويأسف “لكوننا نعيش خطرا جسيما يكاد يلامس خيانة الوطن، لأننا اثبتنا فشلنا وعجزنا عن العيش بلا وسيط او وصي. علينا ان نحسم امرنا ونرفع الصوت لنجد انفسنا حيث يجب ان نكون، ضمن وطن واحد موحد لجميع أبنائه”.

ويختم بالغمز من قناة النائب السابق فارس سعيد الذي انتقده على كلامه الأخير، ويتوجه اليه بالقول: “عظيم، اذا كنت تعتبر الطائف مقدسا، فأنا اطلب منك التوجه الى الفاتيكان وتقديم الملف، كي يعلن الطائف مكرّما، ثم طوباويا فقديسا!”.