الإحتفال اليوم بذكرى المذبحة الأرمنية يندرج ضمن إطارٍ عابق بالتاريخ اللبناني الأرمني، ويرتبط بجذور “المسألة الشرقية”، وبوضع الأقليات المسيحية داخل االسلطنة العثمانية، واليوم داخل العالم الإسلامي ككلّ؛

وهو يُضيء على ما عاناه هذا الشعب في سبيل الإيمان والحرية والإنتماء، والحفاظ على الخصوصية والكرامة والإستقلال…

إنّه مشهد القتل الجماعي الذي نفّذته السلطنة العثمانية في أيام حكمها حتى بلغ مستوى الإبادة بين عامي 1915 و 1916؛

إبادةٌ تصرّ تركيا على إنكارها وعلى عدم تحمّل المسؤولية التاريخية بشأنها.

إبادةٌ سهّلت وقوعها، مواقف بعض الأوروبيين في حينه. واليوم تَمنعهم مَصالحهم من فرض العقوبات على مرتكبيها، ومن الإعتراف بها والإعتذار والتعويض عنها.

قبل مئة عام قرّر حكّام إسطنبول إبادة الأرمن ومعظم المسيحيين الواقعين داخل حدود السلطنة. لم يتركوا وسيلة إلاّ واستخدموها.

فرضوا نظام السخرة، نظّموا العصابات، أطلقوا المساجين وحرّضوهم على قتل الأرمن… إقتحام للمنازل، خطفٌ للمدنيين ولرجال الدين، ضرب وتعذيب وإعدام، مدن وقرى أفرغت بكاملها … سبي للنساء والأطفال. فصل الذكور عن عائلاتهم وحجزهم في المياتم التي أعدّت لمحو الذاكرة وفرض التتريك بالقوة.

مسيرة سوداء من القتل والتنكيل والقتل والتهجير …. أبطالها السلطان الدموي عبد الحميد الثاني وجمال باشا السفّاح وغيرهم. وكان من بين هذه المياتم ميتم عينطورة الذي عُثر فيه على رفات أكثر من ألف صبي أرمني ماتوا قتلاً.

أمّا جبل لبنان جبل الآباء والأجداد الذي لجأ إليه الأرمن، لم يكن مصير شعبه أفضل حالاً،

فمنذ دخول جمال باشا السفّاح لبنان: 1915 – 1918

أعلن حصارًا تموينيًا تجويعيًا مستحكمًا على الجبل برًّا وبحرًا، طال كلّ المناطق اللبنانية، صادر المحاصيل، وألغى نظام المتصرفية الذي سبق أن وضع بضمانة الدول الأوروبية، كما ألغى مجلس الإدارة الذي كان بمثابة برلمانًا مصغّرًا…

نَفَى من نفى من رجالِ دينٍ وعلمانيين مسلمين ومسيحيين… فرض الضرائب الباهظة وطبّق نظام السخرة وأعلن الأحكام العرفية ونصب المشانق.

هكذا بين نفيٍ تهجيرٍ وإستعبادٍ وتجويعٍ وقتل، على مدى ثلاث سنوات متتالية بين 1915 و1918، انتهى الأمر إلى مقتل ثلث سكّان لبنان خصوصًا أبناء الجبل منهم بسبب الجوع والحرب، وتهجير الثلث الآخر إلى أقاصي الأرض وهم النازحون اللبنانيون المهاجرون، أمّا الثلث الباقي بالكاد استطاع أن يستمر على قيد الحياة ونحن أحفاد الثلث الذي صمد واستطاع أن يبقى على قيد الحياة في حينه.

كلّ هذه المآسي التي لحقت بأجدادنا، ألا تستحق من قبل المسؤولين عندنا تخصيص يوم واحد للذكرى والتذكير ؟!

ذكرى عما حصل في السابق، وتذكير عما يمكن أن يحصل في المستقبل؟!

علّنا نتّعظ، فنحذو حذو الشعب الأرمني ونخرج من محنة فقدان الذاكرة عندنا نحن اللبنانيين وبصورة خاصة الموارنة منهم.

يخطئ من يعتقد أنّ مآسي وويلات الشعوب لن تتكرّر، لأن ما نشهده اليوم في العالم يدلّ على أنّ لعنة التطرّف والتكفير لا تضرب المسيحيين فقط، لقد نزلت أيضًا على الأزيديين وعلى المدنيين الأبرياء من المسلمين سنّةً وشيعةً، كما أصابت الدروز وغيرهم من أهل هذه البلاد وغيرها.

أخيرًا تجدر الملاحظة؛

إلى أنه سبق وتقدّمت من مجلس النواب بإقتراح قانون معجل مكرّر بتاريخ 19/10/2016 سجّل برقم 235 لإقرار يوم ذكرى المجاعة الكبرى وقّعه معي كلّ من النواب السادة: محمد الحجار، آغوب بقرادونيان، عباس هاشم، مروان حمادة، غسان مخيبر، نبيل نقولا، إيلي عون، حكمت ديب. نوقش في اللجان وفي الهيئة العامة واستقرّ الرأي بعد التعديل وموافقة رئيس المجلس على استبدال التسمية المقترحة؛ بحيث تكون: يوم ذكرى مآسي الحرب الكونية الأولى على لبنان 1915 – 1918 فلماذا لا يُدرج هذا الإقتراح على أول جلسة تشريعية لمجلس النواب لإقراره؟!